
من سايكس–بيكو إلى الشرق الأوسط الجديد… من يرسم الخرائط اليوم؟
بقلم: أمين السكافي.
ليست كل الخطوط التي تُرسم على الخرائط مجرد حدود جغرافية، فبعض الخطوط يتحول مع مرور الزمن إلى مصائر شعوب، وإلى حروب تمتد أجيالاً، وإلى هويات سياسية يصعب تغييرها. فالخريطة ليست ورقة صامتة، بل هي انعكاس لموازين القوة، ولصراعات الإمبراطوريات، ولرغبات الدول الكبرى في بناء عالم يخدم مصالحها.
قبل أكثر من قرن، وفي خضم الحرب العالمية الأولى، جلس الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو أمام خرائط الشرق الأوسط، يرسمان حدود النفوذ بين دولتين أوروبيتين كانتا تستعدان لاقتسام إرث الإمبراطورية العثمانية التي بدأت علامات الانهيار تظهر عليها. لم يكن الرجلان يعلمان أن الخطوط التي رُسمت بالحبر على الورق ستصبح لاحقاً حدوداً لدول، وخطوط تماس عسكرية، ومسرحاً لصراعات سياسية ومذهبية وقومية استمرت حتى القرن الحادي والعشرين.
لكن بعد مرور أكثر من مئة عام، لم يعد السؤال فقط: ماذا كانت اتفاقية سايكس–بيكو؟ بل أصبح السؤال الأكبر: هل انتهت سايكس–بيكو فعلاً، أم أنها تغيرت وانتقلت من رسم الحدود إلى رسم مناطق النفوذ؟ ومن يرسم خرائط الشرق الأوسط اليوم؟
لحظة سقوط الإمبراطورية العثمانية
لفهم تأثير سايكس–بيكو لا بد من العودة إلى بدايات القرن العشرين، حين كانت الدولة العثمانية تعيش مرحلة طويلة من التراجع. فقد فقدت الكثير من قوتها العسكرية والاقتصادية، وبدأت القوى الأوروبية تنظر إلى أراضيها العربية باعتبارها مساحة استراتيجية مهمة بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها وطرق التجارة التي تمر فيها.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا. ومع اقتراب نهاية الحرب، بدأت القوى المنتصرة التخطيط لشكل المنطقة بعد سقوط العثمانيين.
في هذا السياق جاءت اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، وهي تفاهم سري بين بريطانيا وفرنسا لتحديد مناطق النفوذ في المشرق العربي. حصلت فرنسا على نفوذ واسع في سوريا ولبنان، بينما حصلت بريطانيا على مناطق العراق وفلسطين والأردن لاحقاً ضمن ترتيبات الانتداب.
ولم تكن الاتفاقية وحدها التي رسمت شكل المنطقة، إذ جاءت بعدها سلسلة من الأحداث والقرارات الدولية، أبرزها مؤتمر سان ريمو عام 1920، ونظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، إضافة إلى وعد بلفور عام 1917 الذي أعلن دعم بريطانيا إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، وهو القرار الذي فتح أحد أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ المنطقة الحديثة.
هل قسمت سايكس–بيكو الشرق الأوسط وحدها؟
كثيراً ما تُحمّل سايكس–بيكو مسؤولية كل أزمات الشرق الأوسط، لكن القراءة التاريخية الدقيقة تحتاج إلى شيء من التمييز. فالحدود الحالية لم تُرسم كلها في تلك الاتفاقية، بل تشكلت عبر مراحل طويلة من المفاوضات والصراعات والتسويات.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الاتفاقية مثّلت رمزاً لمرحلة استعمارية جديدة، انتقلت فيها المنطقة من سلطة إمبراطورية عثمانية إلى نظام دول حديثة نشأت في ظل تأثير أوروبي مباشر.
المشكلة لم تكن فقط في الحدود، بل في الطريقة التي أُنشئت بها بعض الكيانات السياسية. فقد جُمعت مناطق ذات تنوع ديني ومذهبي وقومي كبير داخل دول جديدة، من دون أن تكون هناك دائماً عملية طبيعية لبناء هوية وطنية مشتركة.
فالعراق جمع بين مكونات عربية وكردية وتركمانية، وبين مذاهب وأديان متعددة. ولبنان نشأ ضمن صيغة سياسية حاولت التوفيق بين تنوع طائفي عميق. وسوريا ضمت مناطق ذات تاريخ اجتماعي مختلف بين المدن الكبرى والريف والبادية.
لكن من المهم أيضاً القول إن مشاكل المنطقة لم تكن نتيجة الحدود وحدها. فالشعوب والمجتمعات ليست مجرد ضحايا للخرائط، بل لعبت الأنظمة السياسية، والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، دوراً كبيراً في تشكيل مسار الأحداث.
الدين والهوية في خرائط الشرق الأوسط
كان الدين أحد العناصر الأساسية في تاريخ المنطقة، ليس فقط باعتباره عقيدة روحية، بل باعتباره جزءاً من الهوية الاجتماعية والسياسية.
فالشرق الأوسط كان عبر قرون طويلة مساحة لتداخل الحضارات والأديان: الإسلام بمذاهبه المختلفة، والمسيحية الشرقية، واليهودية، والطوائف الدينية الأخرى. ولم تكن هذه المكونات تعيش دائماً في صراع، بل عرفت مراحل طويلة من التعايش والتفاعل الحضاري.
لكن ظهور الدولة القومية الحديثة، والانتقال من نظام الإمبراطوريات إلى نظام الحدود الوطنية، طرح سؤالاً جديداً: كيف يمكن بناء دولة حديثة فوق مجتمعات متعددة الهويات؟
هذا السؤال بقي حاضراً طوال القرن العشرين، وظهر في أزمات عديدة عندما فشلت بعض الدول في بناء عقد وطني جامع، فتحولت الهويات الفرعية أحياناً إلى أدوات سياسية تستخدمها القوى الداخلية والخارجية.
وهنا يصبح الخطأ في تحليل الشرق الأوسط هو اختزال كل صراعاته بالدين أو الطائفة فقط. فالدين عامل مؤثر، لكنه يتداخل دائماً مع السياسة والجغرافيا والمصالح الاقتصادية وموازين القوة.
من خرائط الانتداب إلى خرائط الصراع
لم تتوقف آثار سايكس–بيكو عند لحظة إنشاء الدول الحديثة، بل استمرت في التأثير على مسار المنطقة طوال القرن العشرين. فقد دخل الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى مرحلة جديدة عنوانها الصراع على السيادة والاستقلال والهوية.
ومع انتهاء الانتداب الأوروبي وظهور الدول الوطنية، ظن كثيرون أن مرحلة رسم الخرائط انتهت، وأن المنطقة أصبحت صاحبة قرارها. لكن الواقع أثبت أن خروج الجيوش الأجنبية لم يعنِ انتهاء النفوذ الخارجي، بل انتقل الصراع من السيطرة المباشرة إلى التأثير السياسي والاقتصادي والعسكري.
وكانت القضية الفلسطينية المحور الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل المنطقة. فمنذ عام 1948 دخل الشرق الأوسط مرحلة من الحروب المتتالية، وأصبحت الحدود التي رسمتها القوى الدولية خطوط مواجهة عسكرية لا مجرد فواصل بين دول.
الحروب العربية الإسرائيلية في أعوام 1948 و1967 و1973 لم تكن مجرد نزاعات حدودية، بل كانت صراعاً على شكل النظام الإقليمي بأكمله. وحرب عام 1967، التي احتلت فيها إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وسيناء والجولان، أعادت رسم موازين القوة، وأظهرت أن السيطرة على الأرض لا تزال العامل الأساسي في صناعة السياسة الدولية.
ثم جاءت الحرب الباردة لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، فتحولت المنطقة إلى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وأصبحت الصراعات المحلية جزءاً من مواجهة عالمية أكبر.
الجغرافيا العسكرية… عندما تصبح الأرض سلاحاً
لطالما كانت جغرافيا الشرق الأوسط سبباً رئيسياً في أهميته. فهو يقع عند ملتقى ثلاث قارات، ويضم طرقاً بحرية حيوية، مثل قناة السويس، وممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، إضافة إلى احتياطيات ضخمة من النفط والغاز.
لهذا لم تكن السيطرة على المنطقة مرتبطة فقط بمن يحكم العواصم، بل بمن يملك القدرة على التحكم بالممرات والموارد ومواقع النفوذ.
العراق لم يكن مهماً فقط بسبب موقعه، بل بسبب موارده النفطية وموقعه بين الخليج وإيران وبلاد الشام. وسوريا اكتسبت أهمية استراتيجية بسبب موقعها الرابط بين شرق المتوسط والعراق وتركيا وفلسطين. ولبنان، رغم صغر مساحته، بقي مهماً بسبب موقعه على المتوسط وتنوعه السياسي الذي جعله ساحة تأثير إقليمية.
وهكذا أصبحت الجغرافيا نفسها عاملاً في صناعة الصراع. فالدول الكبرى لم تعد تحتاج دائماً إلى احتلال الأراضي، بل يكفيها أحياناً أن تمتلك نفوذاً داخلها عبر التحالفات أو الاقتصاد أو القوة العسكرية غير المباشرة.
من يرسم خرائط الشرق الأوسط اليوم؟
إذا كان سايكس وبيكو قد رسما جزءاً من خريطة القرن العشرين، فمن يرسم خريطة القرن الحادي والعشرين؟
الإجابة ليست دولة واحدة. فالشرق الأوسط اليوم يعيش صراعاً بين مشاريع متعددة.
هناك الولايات المتحدة التي تحاول الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي وحماية مصالحها وحلفائها، وهناك روسيا التي عادت إلى المنطقة عبر البوابة السورية، وهناك الصين التي تدخل تدريجياً من بوابة الاقتصاد والطاقة والاستثمارات.
وفي المقابل، هناك قوى إقليمية تسعى إلى تثبيت أدوارها، مثل تركيا وإيران وإسرائيل ودول عربية عديدة، وكل منها يحاول بناء مساحة نفوذ تتجاوز حدودها الرسمية.
لكن العامل الجديد في رسم خرائط المستقبل ليس فقط الجيوش. فالاقتصاد والتكنولوجيا أصبحا جزءاً أساسياً من القوة. فالدولة التي تملك المعرفة والطاقة والتكنولوجيا والقدرة على التأثير الإعلامي قد تمتلك نفوذاً يفوق حجمها الجغرافي.
الشرق الأوسط بين حدود الدول وحدود النفوذ
ربما يكون الدرس الأكبر من قرن كامل بعد سايكس–بيكو أن الخرائط لا تعيش بمعزل عن الواقع. فقد يمكن رسم حدود جديدة، لكن بناء الدول يحتاج إلى أكثر من خطوط على الورق. يحتاج إلى مؤسسات، وعدالة، وهوية وطنية، وقدرة على إدارة التنوع.
فالمنطقة لم تعانِ فقط من تدخلات خارجية، بل عانت أيضاً من أزمات داخلية: ضعف الدولة، غياب التنمية المتوازنة، الاستبداد السياسي، والصراعات على السلطة.
ولهذا فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بمن يرسم الخرائط من الخارج، بل أيضاً بقدرة شعوبه على بناء دول قوية تستطيع حماية استقلالها.
بعد أكثر من مئة عام على سايكس–بيكو، لم يعد السؤال فقط: هل ستتغير حدود الدول؟ بل أصبح: هل تستطيع هذه الدول أن تغير نفسها قبل أن يغيرها الآخرون؟
فالخرائط الجديدة لا تُرسم دائماً بالحبر، بل أحياناً بالقوة، وأحياناً بالاقتصاد، وأحياناً بإرادة الشعوب.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
إذا كان القرن العشرين قد شهد صراعاً على تقسيم الشرق الأوسط، فهل سيكون القرن الحادي والعشرون قرناً لإعادة تشكيله؟ ومن سيمسك بالقلم الذي سيرسم الخريطة القادمة ؟



