مشاهد لها حكمة ودلالات.. حين يتعلم المسؤول أن يكون خادماً قبل أن يكون مسؤولاً

 

 

كتب /  سعيد فارس السعيد

 

من المشاهد التي تستحق التأمل، لما تحمله من دلالات دينية وتربوية ووطنية عميقة، ما نشاهده في بعض البلدان الإسلامية، حيث يحرص كبار المسؤولين، ومسؤولو الصفين الأول والثاني، وكبار ضباط الجيش، وحتى بعض الأثرياء، على تسجيل أسمائهم لدى لجان الإشراف على المساجد والجوامع، طلباً ليوم من أيام خدمة بيوت الله.

وعندما يأتي دور أحدهم، يتوجه إلى المسجد أو الجامع، ويرتدي لباس الخدمة، ويشارك في تنظيف المكان، أو إصلاح مرافقه الصحية، أو مساعدة العمال والعاملين في الصيانة والترميم.

قد يبدو المشهد بسيطاً، لكنه يحمل رسالة كبيرة:

أن الإنسان مهما علا منصبه، ومهما ارتفعت رتبته، ومهما اتسعت ثروته، يبقى أمام الله عبداً متساوياً مع الآخرين.

في تلك اللحظة، لا توجد ألقاب ولا مواكب ولا حواجز ولا مظاهر سلطة؛ فالمسؤول يخلع رمزية منصبه، ويرتدي لباس الخدمة، ليُربي نفسه قبل أن يُربي الآخرين.

وهنا تكمن أهمية هذا السلوك في بناء شخصية المسؤول.

فالمسؤول الذي يتعلم التواضع وخدمة الناس، يصبح أكثر إدراكاً لمعاناتهم، وأكثر احتراماً للعمل والعامل، وأكثر شعوراً بأن السلطة تكليف ومسؤولية وليست امتيازاً أو وجاهة اجتماعية.

إن خدمة بيت الله لا تعني فقط تنظيف مسجد أو إصلاح مرفق، وإنما يمكن أن تكون مدرسة لترويض النفس على التواضع، ومحاربة الكِبر، وكسر الحواجز النفسية بين صاحب المنصب والمواطن البسيط.

ومن هنا يمكن تحويل هذه الثقافة من ممارسة فردية إلى مفهوم أوسع في التربية الوطنية والاجتماعية:

قبل أن يتولى الإنسان مسؤولية الناس، عليه أن يتعلم خدمتهم.

وقبل أن يجلس في موقع القرار، عليه أن يعرف معنى العمل والتعب والحاجة.

وقبل أن يطلب من الآخرين التواضع والانضباط، عليه أن يمارس ذلك على نفسه.

إن المجتمعات لا تحتاج فقط إلى قوانين ومؤسسات قوية، بل تحتاج أيضاً إلى ثقافة أخلاقية تُعيد تعريف معنى السلطة والمسؤولية.

فالمنصب الذي لا يصاحبه تواضع يتحول إلى غرور، والسلطة التي لا يرافقها شعور بالمسؤولية قد تتحول إلى استعلاء، أما حين يتربى المسؤول على خدمة الناس، فإنه يدرك أن مكانته الحقيقية لا تأتي من الكرسي الذي يجلس عليه، وإنما من الأثر الذي يتركه في حياة الناس.

وهكذا تكون خدمة بيوت الله أكثر من عمل تطوعي..

إنها تربية للنفس، وترويض للكبرياء، وتعليم لمعنى المسؤولية.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه المسؤول من هذا المشهد هو:

أن من أراد أن يقود الناس، عليه أولاً أن يتعلم كيف يخدمهم.

ومن أراد أن يكون كبيراً في أعين الناس، فليتعلم أولاً أن يكون متواضعاً أمام الله.

شارك