
رئيس الوزراء العراقي والعلامة الخطيب: بغداد وبيروت على طريق شراكة عربية متجددة
لقاء تاريخي.
كتب / سعيد فارس السعيد
ليس كل لقاء بين مسؤولين لقاءً عادياً، فبعض اللقاءات تتجاوز حدود المناسبة والبروتوكول، لتعبّر عن مرحلة جديدة في العلاقات بين الدول والشعوب والمؤسسات.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة اللقاء الذي جمع في بغداد رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي بالعلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، باعتباره لقاءً يحمل دلالات وطنية وعربية وإسلامية واسعة.
فقد استقبل رئيس الوزراء العراقي العلامة الخطيب في مقر رئاسة الوزراء، في جلسة مطوّلة جرى خلالها البحث في واقع لبنان، ولا سيما الأوضاع الصعبة التي يعيشها الجنوب اللبناني، حيث قدّم العلامة الخطيب عرضاً موثقاً بالأرقام حول الأضرار والخسائر والمعاناة الإنسانية، معرباً عن تقدير لبنان للمساعدات التي يقدمها العراق حكومةً وشعباً.
ولعل الأهم في هذا اللقاء أن رئيس الوزراء العراقي أكد استمرار العراق في تقديم ما يحتاجه لبنان من مساعدات، وكشف عن عزمه زيارة لبنان في شهر تشرين الأول المقبل، الأمر الذي يعطي للقاء بُعداً عملياً يتجاوز الكلمات إلى خطوات ومواقف قابلة للترجمة على أرض الواقع.
_العراق… دولة عربية منفتحة على الجميع.
إن أهمية الموقف العراقي تنبع من المكانة التي يحتلها العراق في محيطه العربي والإسلامي، ومن السياسة التي يؤكدها رئيس الوزراء العراقي والقائمة على الانفتاح على مختلف الجهات العربية والإسلامية والدولية.
وهذه السياسة لا تعني الحياد عن قضايا الأمة، بل تعني امتلاك القدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وفتح قنوات الحوار، والبحث عن مساحات مشتركة تخدم الأمن والاستقرار والتنمية، وتحفظ للدول العربية استقلال قرارها ومصالح شعوبها.
ومن هنا، فإن دعم العراق للبنان ليس مجرد مساعدة ظرفية، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من رؤية عربية أوسع لإعادة بناء جسور التضامن والتكامل بين الدول العربية.
___المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. مؤسسة وطنية جامعة.
وفي المقابل، فإن حضور العلامة الشيخ علي الخطيب في بغداد لا يمثل شخصه الكريم فحسب، وإنما يحمل أيضاً دلالات مرتبطة بالمكانة الوطنية والدينية والفكرية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان.
فهذا المجلس، منذ تأسيسه، لم يكن مؤسسة مذهبية منعزلة عن محيطها الوطني، بل كان حاضراً في القضايا اللبنانية العامة، ومدافعاً عن وحدة لبنان، والعيش المشترك، والعدالة، والاستقلال، وكرامة الإنسان.
ومن هنا جاءت أهمية أن يكون المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى جسراً للتواصل بين لبنان ومحيطه العربي والإسلامي، وأن يحمل صوت اللبنانيين ومعاناتهم إلى الأشقاء والأصدقاء، بعيداً عن أي اختزال مذهبي أو فئوي.
___من بغداد إلى بيروت…
إن اجتماع شخصية سياسية عراقية في موقع رئاسة الحكومة مع شخصية دينية وطنية لبنانية في موقع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يبعث برسالة واضحة:
أن العراق ولبنان ليسا دولتين متجاورتين في الوجدان العربي فحسب، بل شريكان في التاريخ والثقافة والحضارة والمصالح المشتركة.
والأهم أن هذا اللقاء جاء في وقت يحتاج فيه لبنان إلى أشقائه العرب والمسلمين، ويحتاج فيه العراق إلى استعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي والإسلامي.
ولذلك فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي المرتقبة إلى لبنان في تشرين الأول يمكن أن تشكل محطة مهمة لتعزيز العلاقات اللبنانية ـ العراقية، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والإنمائي والإنساني، إلى جانب البحث في قضايا المنطقة والتحديات التي تواجه شعوبها.
___رسالة تتجاوز الحدود..
لقد حمل العلامة الخطيب إلى بغداد وجع الجنوب اللبناني، وحمل معه صورة لبنان الذي يحتاج إلى الدعم العربي والإسلامي لا في البيانات فقط، وإنما في المواقف والمبادرات والمشاريع.
وفي المقابل، حمل رئيس الوزراء العراقي رسالة واضحة بأن بغداد لن تترك لبنان وحيداً، وأن العراق مستمر في تقديم الدعم والمساعدة، وأن الانفتاح على لبنان ليس موقفاً عابراً بل سياسة مستمرة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا اللقاء.
إنه لقاء بين بغداد وبيروت، وبين الدولة والمؤسسة الوطنية الدينية، وبين الموقف السياسي والرسالة الإنسانية.
وإذا أحسن لبنان والعراق البناء على هذه اللحظة، فقد يتحول هذا اللقاء إلى بداية مرحلة جديدة من التعاون العربي، يكون عنوانها:
التضامن العربي العملي، ودعم الدول والشعوب العربية، وتعزيز الحوار، وحماية الاستقرار، وإعادة بناء الثقة بين الأشقاء.
ولعل أجمل ما في هذا اللقاء أنه يقول بوضوح:
عندما تتكامل إرادة الدولة مع حكمة المؤسسات الوطنية والدينية، يصبح التضامن العربي فعلاً سياسياً وإنسانياً، لا مجرد شعار.
ومن بغداد، يبدو الطريق إلى بيروت مفتوحاً على صفحة جديدة…
صفحة عنوانها الأخوة، والتضامن، والعمل المشترك.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل



