علي الطاهر يعيد مجد خيبر: من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال بالإدارة.

 

 

بقلم: د. محمد هزيمة – كاتب وباحث استراتيجي

 

تستمر المواجهة على الجبهة اللبنانية، وتستمر الحرب العدوانية، وإن اختلفت وتيرة الميدان فيها، بالتوازي مع حروب متعددة الأوجه، منها السياسية والأمنية والإعلامية، بعد حرب اقتصادية لم يخرج منها لبنان، نجحت فيها أميركا بقلب المشهد بصورة تبيّن الخيط الأبيض الوطني من الخيط الأسود لمشروع إخضاع لبنان وإلحاقه بإسرائيل كيانًا ضعيفًا وحديقة خلفية لإسرائيل، وإدخاله حظيرة التطبيع التي تُساق إليها الحكومات الوظيفية بجناحيها القديم الرجعي والجديد، الذي أوصلته أميركا على متن مشروعها الذي لم تُخفِه، وهيّأت له الظروف منذ عقود، ومهّدت له بالربيع العربي وحكم الإخوان، ودخلت واشنطن مباشرة الميدان عسكريًا بعد سياسيًا، إلا أنها فشلت استراتيجيًا وأخفقت في تحقيق أهدافها على أكثر من ساحة، وتحولت الحرب عبئًا سياسيًا على الإدارة الحالية لواشنطن، بثمن استراتيجي يأكل فيه نفوذ أميركا بقدراتها العسكرية ومقدراتها السياسية، والحكومات الوظيفية بمهماتها، ومنها حكومة لبنان، سلطة الحكم التي أسقطت عنها صفة الحكومة لحظة خروجها على الدستور وتجاوز القانون والعمل وفق أجندة أميركية، بورقة أعمال حملها المبعوث الأميركي، ضربت الصيغة التي تأسس عليها لبنان، وهددت الكيان اللبناني بوجوده وفق الرؤية الأميركية، وتحولت أداةً بمهمة تمارس الحكم وتصرف نفوذًا بخلفية مذهبية طائفية على حساب استقرار لبنان وحقه المكرّس بالمواثيق الدولية.

وفي ظل عدوان مستمر، لم تكتفِ إسرائيل باحتلال أرض الجنوب، بعدما فشلت في كسر معادلة الميدان في تلة علي الطاهر وغيرها، لتنتقل إلى مرحلة أخطر تمثلت باحتلال ناعم بالإدارة والتكليف، فيه السلطة حارس حدود لكيان إسرائيل. وهذا لم يمر داخل المؤسسة العسكرية ووطنيتها، وبحسب معلومات نشرتها صحيفة «الأخبار» اليوم، كشفت تحولًا جذريًا في طبيعة المواجهة، المطلوب فيها ليس ضبط سلاح، بل تحويل الجيش اللبناني إلى أداة أمنية لحماية إسرائيل من القرى الحدودية، مقابل انسحاب وهمي باختراع لقيط اسمه «المناطق التجريبية».

فالوقائع الميدانية تقول عكس ما يُروَّج له دبلوماسيًا، وإسرائيل «لم تنسحب فعليًا من أي منطقة محتلة»، وهي لا تزال موجودة وتمارس احتلالًا ناريًا وخروقات يومية بغطاء اتفاق الإطار، الذي اعتبرت فيه إسرائيل أن أي منطقة تقع ضمن دائرة السيطرة النارية الإسرائيلية، حتى لو لم تطأها دبابة، خاضعة لها. وهذا تعريف جديد لاحتلال لا يحتاج إلى جنود على الأرض، بل يحتاج إلى رضوخ سياسي في بيروت، ترفضه قيادة الجيش كليًا، وهي غير معنية بتنفيذ مطالب إسرائيل لمهمة شرطي عند العدو.

فالجانب الأميركي «فهم» أخيرًا أن مطلب إسرائيل تجاوز ملف السلاح، والقائمة الإسرائيلية طويلة: تفتيش منازل بناءً على معلومات استخباراتية إسرائيلية، واستدعاء أشخاص بعينهم، والدخول إلى أملاك خاصة وأماكن عجز العدو الإسرائيلي عن الوصول إليها.

وبكلام أوضح، مطلوب من لبنان مهمة قذرة فشل فيها الإسرائيلي ميدانيًا. وهكذا ينتقل الجيش من «حامي السيادة» إلى «متعهد أمني» لصالح العدو، بهدف استراتيجي يعمل عليه العدو الإسرائيلي، وهو جرّ لبنان إلى الفتنة، وإبقاؤه تحت الوصاية، وتفجير الداخل، ودفعه إلى صدام مباشر مع أهل الجنوب، أمام مشهد جندي لبناني يفتش بيتًا لبنانيًا بأمر إسرائيلي؛ شرارة حرب أهلية جاهزة.

وهذا يمنح العدو شرعنة البقاء، طالما هناك «منطقة تجريبية» غير منضبطة، تبقى إسرائيل إلى ما لا نهاية، ليأتي الهدف الاستراتيجي: فرض وصاية أمنية تحوّل القرار الأمني في الجنوب إلى غرفة عمليات في تل أبيب.

فأين تكون السيادة إذا لم تنسحب إسرائيل من كل المناطق المحتلة تنفيذًا للاتفاق؟

بالنتيجة، إسرائيل خسرت الحرب العسكرية وانتقلت إلى حرب الإدارة، وأميركا راعية المشروع، وعليها أن تعرف أن لبنان ليس ساحة تجارب، وأن دماء الجنوبيين ليست ورقة تفاوض ليسلّمها أحد بالمجان.

شارك