
الخوارزميات تسمع ما لم نفكّر فيه بعد
الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
ربما بلغ الإنسان مرحلة غريبة من تاريخ وعيه؛ مرحلة لم تعد فيها الآلة تنتظر أن نقول ما نريد، بل بدأت تلتقط إشارات رغباتنا قبل أن تتحول إلى كلمات، وتقرأ آثار أفكارنا قبل أن نمنحها أسماء. نحن نفتح الهاتف بحثًا عن شيء، فنجد ما يشبهه أمامنا، نفكر في موضوع، فنصادف محتوى يدور حوله، نتوقف طويلًا أمام صورة، فتلاحقنا صور من جنسها. عندها يتسلل السؤال الفلسفي من خلف المشهد: هل الخوارزميات تعرف ما نريد، أم أنها أصبحت تشارك في صناعة ما نريد؟
الخوارزمية لا تملك وعيًا بالمعنى الإنساني، ولا تسمع أفكارنا الخفية حرفيًا، لكنها تجمع آثارنا الصغيرة: ما نبحث عنه، وما نتوقف عنده، وما نتجاهله، وما نعود إليه، وما يثير فضولنا. ومن هذه الآثار تبني احتمالًا عن الإنسان. إنها لا تعرف حقيقتنا، لكنها تتعلم أن تتنبأ بنا. وهنا تكمن المفارقة؛ فالإنسان الذي اعتاد أن يرى نفسه كائنًا حرًا ومفاجئًا، أصبح في عالم البيانات قابلًا للتوقع بدرجات متزايدة.
لكن المسألة لا تتوقف عند التنبؤ. حين تقترح الخوارزمية علينا الشيء نفسه مرارًا، فإنها لا تكتفي بقراءة الميل، بل قد تساعد في ترسيخه. وما كان فضولًا عابرًا قد يصبح اهتمامًا دائمًا، وما كان اهتمامًا قد يتحول إلى عادة، وما اعتدناه قد يتحول إلى رغبة، وما تكررت أمامنا الرغبة فيه قد نبدأ في اعتباره اختيارًا شخصيًا. وهنا تتشابك الحدود بين ما نريده وما تعلّمنا أن نريده.
إن الحرية ليست أن أجد أمامي ألف خيار، بل أن أعرف أنني أملك القدرة على اختيار ما وراء الخيارات التي عُرضت عليّ. فالإنسان الحر لا يكتفي بأن يسأل: «ماذا أختار؟» بل يسأل أيضًا: «من الذي حدّد لي مجال الاختيار؟ ومن الذي جعل هذا الشيء ظاهرًا أمامي، وأخفى عني أشياء أخرى؟». وربما يكون هذا السؤال من أصعب أسئلة عصرنا؛ لأن السيطرة الحديثة لا تأتي دائمًا في صورة أمر، بل قد تأتي في صورة اقتراح لطيف لا نشعر معه أننا خضعنا لشيء.
لقد انتقلت الخوارزميات من تنظيم المعلومات إلى تنظيم الانتباه، والانتباه ليس أمرًا هامشيًا في حياة الإنسان؛ إنه البوابة التي تدخل منها الأشياء إلى الوعي. ما نمنحه انتباهنا طويلًا يترك أثرًا فينا، وما يتكرر أمامنا قد يصبح جزءًا من قاموسنا الداخلي. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست على الشاشة وحدها، بل على تلك المساحة الدقيقة بين العين والعقل، بين ما نراه وما نصدقه، وبين ما نصدقه وما نتحول إليه.
وفي عالم السرعة، أصبح العقل يستهلك الأفكار بدل أن يهضمها. تمر الصور أمامنا كالماء، وتتدفق الأخبار بلا نهاية، وتتعاقب الآراء حتى لا يبقى للإنسان وقت كافٍ ليسأل نفسه: ماذا أعتقد فعلًا؟ لقد أصبحنا نعيش في زمن يستطيع فيه المرء أن يعرف شيئًا عن كل شيء، لكنه قد لا يمنح نفسه الوقت الكافي ليعرف لماذا يعتقد ما يعتقده. كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة اتساع الوعي؛ فقد يكون العقل ممتلئًا، لكنه غير متأمل، وقد يكون متصلًا بالعالم كله، لكنه منفصل عن صوته الداخلي.
والأخطر أن الخوارزمية قد تمنح الإنسان نسخة شديدة التشابه من نفسه. فإذا أحب فكرة، جاءته أفكار تشبهها؛ وإذا تابع شخصًا، جاءته وجوه تشبهه؛ وإذا انجذب إلى رأي، وجد أمامه ما يؤكده. شيئًا فشيئًا، يصبح العالم الذي يراه متوافقًا مع عالمه الداخلي، فيظن أن الاختلاف قليل، وأن الجميع يرون الأشياء كما يراها. لكنه قد لا يكون اكتشف العالم، بل اكتشف مرآته الرقمية.
وهنا يصبح الاختلاف ضرورة فلسفية، لا مجرد حالة اجتماعية. فالإنسان لا ينضج فقط عندما يجد من يوافقه، بل عندما يصطدم بفكرة تهز يقينه وتدعوه إلى إعادة النظر. الفكرة المخالفة ليست عدوًا بالضرورة؛ قد تكون نافذة. والعقل الذي لا يرى إلا انعكاسه قد يتحول من عقل يفكر إلى عقل يكرر. أما العقل الحي فهو الذي يستطيع أن يقول: ربما كنت مخطئًا، وربما هناك ما لم أره، وربما الحقيقة أوسع من الزاوية التي أقف فيها.
إن أجمل ما في الإنسان أنه غير مكتمل، وأنه قابل للتغير. يستطيع أن يستيقظ ذات صباح بفكرة لم تكن في حساب الأمس، وأن يغيّر رأيًا عاش عليه سنوات، وأن يكتشف في نفسه طريقًا لم يكن يعرفه. أما الخوارزمية فتبني توقعاتها من آثار الماضي. ولهذا فإن السؤال الأكثر عمقًا هو: إذا كان ماضينا الرقمي قادرًا على توقع مستقبلنا، فهل نسمح له بأن يصبح سجنًا لهذا المستقبل؟
نحن لسنا بياناتنا. لسنا عمليات البحث التي أجريناها، ولا الصور التي أعجبتنا، ولا المقاطع التي شاهدناها، ولا الأشياء التي توقعت الخوارزمية أننا سنحبها. في داخل كل إنسان منطقة لا ينبغي أن تُختزل في الحساب؛ منطقة من الحدس والخيال والدهشة والضمير والاختيار. هناك شيء في الإنسان لا يريد أن يكون متوقعًا بالكامل، لأن المفاجأة جزء من حريته، والتغير جزء من وجوده.
لذلك لا تكمن الحكمة في أن نهرب من التكنولوجيا، فهذا مستحيل وغير مطلوب، بل في أن نستخدمها دون أن نسلّمها مفاتيح وعينا. أن نعرف أن ما يظهر أمامنا ليس بالضرورة كل الحقيقة، وأن ما تقترحه علينا الآلة ليس أمرًا، وأن انتشار الفكرة لا يمنحها صفة الصواب. أن نقرأ أحيانًا ما لم تقترحه الخوارزمية، وأن نصغي إلى من لا يشبهنا، وأن نبحث عن الفكرة التي لا توافقنا، وأن نترك لعقولنا حقها في الصمت والتأمل.
فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يبتعد عن الشاشة لا ليهرب من العالم، بل ليعود إلى نفسه. يحتاج إلى لحظة لا يقترح عليه فيها أحد شيئًا، ولا يطلب منه أحد أن يضغط، أو يشارك، أو يعلّق، أو يواصل التمرير. ففي الصمت قد يسمع الإنسان صوته الحقيقي، ويكتشف أن بعض رغباته كانت مجرد أصداء لما تكرر أمامه.
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى: الخوارزمية تستطيع أن تتنبأ بما قد نفعله، لكنها لا ينبغي أن تقرر من نكون. تستطيع أن تقترح، لكن لا ينبغي أن تصبح وصيًا على الإرادة. تستطيع أن تتعلم من ماضينا، لكن لا ينبغي أن تكتب مستقبلنا. تستطيع أن تعرف عاداتنا، لكن لا ينبغي أن تجعلنا أسرى لها.
إن أخطر احتلال ليس أن تحتل الخوارزميات شاشاتنا، بل أن تحتل المسافة الفاصلة بين الرغبة والقرار؛ أن تجعل الإنسان يظن أن الفكرة ولدت داخله، بينما تكون قد نمت حوله طويلًا حتى استقرت في داخله. عندها لا يعود السؤال: «هل أنا حر؟» بل يصبح أكثر دقة: هل أعرف أصلًا أين تبدأ حريتي؟
وربما علينا، في هذا العصر، أن نستعيد فعلًا بسيطًا لكنه عظيم: أن نسأل قبل أن نختار، وأن نشك قبل أن نصدق، وأن نتوقف قبل أن نتبع. لأن العقل الذي يتوقف عن السؤال يصبح أرضًا خصبة لكل ما يُزرع فيه، أما العقل الذي يسأل فيبقى حيًا، متيقظًا، قادرًا على مقاومة الطريق السهل.
قد تكون الخوارزميات قد تعلمت أن تسمع آثارنا قبل أن تتشكل أفكارنا في كلمات، لكنها لا تملك حق امتلاك تلك الأفكار. وما يزال للإنسان حق لا ينبغي أن يتنازل عنه: أن يفاجئ نفسه، أن يغيّر رأيه، أن يرفض ما يتوقعه الآخرون منه، وأن يولد فكريًا أكثر من مرة.
فربما لا تكون معركة المستقبل بين الإنسان والآلة كما تخيلناها يومًا، بل بين إنسان يحتفظ بقدرته على التفكير، وإنسان يسمح للآلة بأن تفكر في اتجاهه.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلّقًا فوق هذا العصر كمرآة لا يمكن الهروب منها:
حين تعرف الخوارزميات ما سنبحث عنه قبل أن نبحث عنه، وما قد نرغب فيه قبل أن نرغب فيه، وما قد نختاره قبل أن نختاره… فهل ما زلنا نملك أفكارنا، أم أننا بدأنا نعيش داخل أفكار صُنعت لنا ثم أُعيدت إلينا حتى ظننا أنها ولدت فينا؟
ربما لا تكمن الحرية في أن تمنع الخوارزمية من أن تسمعك، بل في أن تظل قادرًا على أن تقول لها، في اللحظة التي تظن أنها عرفتك تمامًا:
«أنا لست ما تتوقعه عني… فأنا ما أستطيع أن أختاره بعد أن أعرف أنك تتوقعه.»



