
همسة فلسفية …الموت
كتب غسان إخلاصي
هل تظنون أن الموت هو نهاية حقيقة ؟..
إذا كنتم تظنون أن الموت هو النهاية أو أنه مجرد حفرة مظلمة ينزل فيها المتوفَّى وينتهي عندها كل شيء ويتحول وجود الإنسان فيهاا إلى لا شيء رفات… رماد .. .. اقرأوا هذه الهمسة وتفكَّروا بما يرد فيها من معلومات .. وما عليكم، إلا أن تفكروا في هذا الكلام ..
هل تساءلتم يوماً لماذا نخشى الموت كل هذا الخوف ؟..
الجواب : لأنهم صوروا لنا في مجتمعاتنا أن ما بعد الحياة وكأنه قصة رعب أو أنه فراغ عبثي مظلم .. والنتيجة ماذا ؟..
لقد عشنا جميعاً نخاف ونتهرب من أعماق سؤال وجودنا إلى أين نحن ذاهبون ؟. وصرنا نتمسَّك بالحياة مثل غريق يحاول إنقاذ نفسه ولو بعود من القش الخفيف..
في هذه الهمسة لن نتحدث عن قصص رعب وتخويف موروثة، بل سنأخذكم في رحلة إلى ما بعد الجسد عبر علم اللغة والمنطق والفيزياء وآيات القران الكريم لنكشف الحقيقة الصادمة وهي أن الموت ليس نهاية الوجود، بل هو لحظة الاستيقاظ الحقيقي ..
بدايةً السلام على من اتبع الهدى سيدنا حبيب الله عليه الصلاة والسلام ..
ولنبدأ بعلم اللغة وتفكيك فخ الموت والفناء، لكي نفهم ماذا يوجد بعد هذه الحياة ..
أولاً) – يجب أن نفكِّك الكلمات التي طالما أرعبتنا أو أرهبتنا وأخافتنا .. فالموت لغوياً لا يعني الفناء لأن الفناء يعني الزوال التام، بينما كلمة “موت” في أصل اللغة تعني السكون أو التحول من حالة إلى حالة .. ودليلنا في ذلك يقولون : ماتت النار، أي سكنت حرارتها وتغيرت صورتها .. أما معنى التوفي في القران الكريم، فنجد أنه لا يستخدم مصطلح الانتهاء أو الانهاء، بل يستخدم كلمة “توفي” من جذر “وفى”، أي استيفاء الشحنة والبيانات بالكامل ونقلها من مكان إلى آخر .. والقرآن الكريم يضرب لنا مثالاً لغوياً واقعياً نمرُّ فيه كل يوم وهو النوم، حيث قال الله تعالى : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى} .. تأملوا هذا المعنى .. أنتم تخوضون تجربة الخروج من الجسد يومياً أثناء النوم .. تجربة انتقال الوعي التي تعتبر البروفة الصغرى لما سيحدث لوعيكم في المحطة القادمة ..
الآن التعريف المنطقي (قانون العدالة والغاية) :
دعونا نضع مرحلة ما بعد الموت جانباً .. الحياة في المنطق الصارم الذي تفهمونه جميعاً .. لنفككها في هذه الطريقة : هذا الكون القائم على قوانين دقيقة جداً مستحيل أن يكون قد أنشئ عبثاً ودون هدف .. الحياة الدنيا مليئة بالحوداث (مظلمون ماتوا دون حق .. وظالمون عاشوا دون عقاب وأحلام لم تكتمل) .. وبالتالي النتيجة المنطقية هي أنه : إذا كانت الحياة هي المحطة الوحيدة والأخيرة، فإن الكون يصبح غير عادل وعبثي تماماً .. من هنا وجب منطقياً وجود مرحلة قادمة يكتمل فيها قانون السبب والنتيجة وتتحقق فيها العدالة المطلقة ..
القرآن الكريم يطرح هذا المنطق الصارم على عقولكم في سورة المؤمنون {أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} .. المنطق يقول : أنه كما أن دخولكم إلى هذا العالم لم يكن قراركم، فإن انتقالكم إلى المرحلة التالية هو امتداد منطقي وحتمي لتطور وعيكم ..
أما في الفلسفة الوجودية فالجسد البشري ليس إلا مركبة أو بدلة غوص يستخدمها الإنسان للتعامل مع المادة والوعي .. والوعي هو السائق الحقيقي .. تخيلوا طفلاً في رحم أمه .. بالنسبة للجنين، فإن الرحم هو الكون كله .. لو استطعتم الحديث معه وقلتم له : هناك عالم خارج هذا الجدار فيه شمس ومحطات وأشجار لقال لكم هذا جنون .. لا يوجد شيء بعد الرحم .. أما عندما يولد فيصرخ لأنه يعتقد أن خروجه من الرحم هو موت لعالمه، بينما هو في الحقيقة ولادة في كون أوسع بمليارات المرات .. وهذا ما يعبر عنه القرآن الكريم بدقة متناهية، إذ يصف حياتنا الحالية بأنها مجرد عبور مجاز أو حلم وأن المرحلة القادمة هي الحياة الحقيقية الكاملة ..
يقول القرآن الكريم : {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَان لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون} صدق الله العظيم .. وكلمة الحيوان في اللغة أوج الحياة وأعظم صورة الحيوية والوعي ..
*الخاتمة :
أرجو أن تدركوا الحقيقة الكاملة .. ما بعد هذه الحياة ليس مجهولاً وليس مخيفاً، بل هو العودة إلى الأصل والولادة الحقيقية لنا .. إنها المحطة التي ينخلع فيها عنكم مرض الجسد وضيق الوقت وقوانين المادة المقيدة لتلتقوا بالخالق العظيم في عالم يتسع لكل ما صنعتموه بوعيكم وأعمالكم في هذه التجربة الأرضية ..
لا تخافوا من الموت، بل خافوا أن تعيشوا في هذه الدنيا بوعي غائب وأحلام ميتة .. وأسألوا أنفسكم الآن بكل شجاعة هذا السؤال :
هل تبنون أنفسكم ووعيكم لهذه الولادة الكبرى أم أنكم ما زلتم متمسكين بجدران الرحم الضيق .. القرار لكم والوعي هو بوابتكم .؟؟؟؟؟؟.
طاب يومكم وأشرقت الانوار في وجوهكم خيراً وحباً وأملاً في غدٍ آمن وجميل ومستقر ..
ودي لكم….


