أ.عامر داوود … فرنسا من الشارع إلى استعادة السيادة الشعبية

 

ليست فرنسا مجرد دولة أوروبية تشهد احتجاجات اجتماعية بين الحين والآخر، بل هي مجتمع يحمل إرثاً تاريخياً عميقاً ارتبط بمفاهيم الحرية والمساواة والمواطنة، التي شكّلت ركائز أساسية في بناء الشرعية السياسية الحديثة. لذلك، حين تبدأ الاحتجاجات في المدارس والجامعات، ثم تمتد إلى العمال والنقابات وشرائح اجتماعية مختلفة، فإنها تتجاوز المطالب المعيشية المباشرة لتطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث عندما يشعر المجتمع بأن السلطة لم تعد تعبّر عن إرادته ومصالحه، وأن الثروة التي ينتجها أبناؤه لا تنعكس على حياتهم وكرامتهم ومستقبلهم؟

 

بدأت الاحتجاجات الطلابية بمطالب تتعلق بنقص المدرّسين، واكتظاظ الصفوف، وتراجع جودة التعليم، قبل أن تتقاطع مع الاعتراض على ارتفاع تكاليف المعيشة، وخفض الإنفاق العام، والضغوط المتزايدة على الخدمات العامة. ومع اتساع دائرة الاحتجاج، برزت تساؤلات حول استخدام القوة الأمنية وحدودها، وحق الشباب في التعبير عن رفضهم للسياسات التي تمس مستقبلهم. وهكذا، انتقل الحراك من الاعتراض على مشكلات قطاع تعليمي محدد إلى مساءلة أوسع لطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة.

 

فالطالب الذي يحتج على تراجع جودة التعليم لا يطالب بتحسين ظروف دراسته فحسب، بل يطرح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سؤالاً عن أولويات الدولة وكيفية توزيع الموارد العامة. وعندما يلتقي صوته بصوت العامل الذي تتآكل قدرته الشرائية، والمتقاعد الذي يقلق على معاشه، والأسرة التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، تتحول المطالب المتفرقة إلى تعبير عن اختلالات اجتماعية متراكمة. عندها يصبح السؤال أكثر عمقاً: لماذا يتحمل المواطنون أعباء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بينما تبقى قدرتهم على التأثير في القرارات السياسية والاقتصادية محدودة؟

 

لا يمكن فهم هذه التحولات من دون العودة إلى الثورة الفرنسية عام 1789، التي واجهت الملكية المطلقة وامتيازات الطبقات الحاكمة، ووضعت السيادة الشعبية والمساواة أمام القانون في صلب النقاش السياسي الحديث. غير أن الثورة الفرنسية لم تكن مساراً مستقيماً نحو الحرية، بل شهدت صراعات وعنفاً وتحولات تاريخية متعددة، من ثورة 1848 إلى كومونة باريس عام 1871، وصولاً إلى أحداث أيار 1968. وعلى الرغم من اختلاف سياقات هذه المحطات ونتائجها، فإنها أسهمت في ترسيخ فكرة أساسية مفادها أن السلطة ليست امتيازاً موروثاً، وأن حقوق المواطنين لا ينبغي أن تخضع لإرادة فئة تحتكر القرار السياسي.

 

ولا يعني استحضار هذه التجارب أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، أو أن الاحتجاجات الراهنة ستقود حتماً إلى ثورة جديدة، بل يساعدنا على فهم كيف يمكن لمطالب تبدو محدودة في بدايتها أن تكشف عن أزمة أعمق في العلاقة بين المجتمع والدولة. فعندما تعجز المؤسسات السياسية عن استيعاب التحولات الاجتماعية والاستجابة لمطالب المواطنين، يصبح الاحتجاج وسيلة لإعادة طرح الأسئلة التي أخفقت السياسات القائمة في الإجابة عنها.

 

وإذا كانت الثورة الفرنسية قد واجهت امتيازات النبلاء ورجال الدين، فإن التحدي المعاصر يتمثل في أشكال جديدة من تركّز الثروة والنفوذ، وفي قدرة أصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى على التأثير في القرار السياسي. ومن هنا تبرز أسئلة أساسية: من يحدد أولويات الاقتصاد؟ ومن يتحمل أعباء الأزمات؟ وإلى أي مدى تستطيع المصالح الاقتصادية الكبرى توجيه السياسات العامة بما يخدم مصالحها على حساب المصلحة العامة؟

 

تسلّط هذه الأسئلة الضوء على تركّز القوة الاقتصادية والسياسية في أيدي دائرة محدودة من أصحاب النفوذ. ولا يعني ذلك اختزال فرنسا المعاصرة بالضرورة في نظام أوليغارشي تحكمه قلة من الأثرياء، بل يقتضي فحص العلاقة بين الثروة والقرار السياسي، ومدى قدرة المؤسسات الديمقراطية على منع المصالح الخاصة من الهيمنة على المصلحة العامة.

 

فالمشكلة لا تكمن في وجود تفاوتات اقتصادية واجتماعية فحسب، بل أيضاً في احتمال تحوّل الثروة إلى نفوذ سياسي يحمي الامتيازات ويحدّ من قدرة المجتمع على التأثير في القرارات التي تمس حياته. وعندما يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي لا يكفي لتغيير السياسات، وأن الأعباء الاقتصادية لا تُوزّع بعدالة، تتراجع ثقته بالمؤسسات، ويصبح الشارع مساحة للمطالبة باستعادة التوازن بين السلطة والمجتمع.

 

وهنا يتجلى التناقض بين المبدأ الديمقراطي وممارسته الفعلية . فالديمقراطية تقوم على أن الشعب هو مصدر الشرعية، لكن هذا المبدأ يفقد جانباً أساسياً من معناه إذا اختُزل دور المواطنين في التصويت مرة كل بضع سنوات، ثم تُركت القرارات المصيرية لمراكز السلطة والنفوذ، بعيداً عن الرقابة الشعبية المستمرة والمساءلة الفعلية.

 

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى المجتمع بوصفه جمهوراً يجلس في مقاعد المتفرجين لمشاهدة ما تقرره السلطة، أو كتلة صامتة تتحمل نتائج السياسات من دون مساءلة، بل باعتباره قوة اجتماعية تمتلك حق التنظيم والاعتراض والمشاركة في تحديد الأولويات العامة. فالمظاهرات ليست مجرد تعبير عن الغضب، بل يمكن أن تكون وسيلة لإعادة فتح المجال السياسي أمام قضايا لا تحظى بالتمثيل الكافي داخل المؤسسات القائمة، وإعادة الاعتبار لدور المواطنين في توجيه القرار العام.

 

إن الثورة، في معناها الأعمق، ليست لحظة غضب تنتهي بانتهاء المظاهرة، بل مسار طويل يستعيد فيه المجتمع قدرته على مساءلة السلطة، وحماية موارده، وتحديد أولوياته، والمشاركة في صناعة مستقبله. وعندما يخرج الطلاب إلى الشارع، ثم ينضم إليهم العمال والأسر والنقابات، يصبح السؤال أكبر من حكومة أو ميزانية: هل تبقى السياسة أداة لإدارة المجتمع من أعلى، أم تتحول إلى مجال يشارك فيه المجتمع في تقرير مصيره؟

 

ذلك هو الامتحان الحقيقي للديمقراطية، في فرنسا كما في سائر أنحاء العالم: ألّا تبقى السيادة الشعبية شعاراً تاريخياً يُحتفى به في المناسبات، بل أن تتحول إلى ممارسة يومية تحدّ من احتكار السلطة والثروة، وتحمي الإنسان من التهميش، وتعيد القرار العام إلى فضائه الطبيعي، أي المجتمع الذي تستمد منه السلطة شرعيتها.

 

ومن هنا، يمتد السؤال إلى مجتمعات الشرق الأوسط: متى يتكوّن لديها وعي سياسي واجتماعي قادر على تحويل الغضب المتراكم إلى مشروع مستدام للتغيير؟ ومتى تتجاوز الاحتجاجات حدود المطالبة بإسقاط الحكومات أو استبدال المسؤولين، لتتجه نحو إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسلطة على أسس المشاركة والمساءلة والعدالة؟ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير الوجوه التي تتولى إدارة السلطة فحسب، بل في تغيير الآليات التي تحتكر القرار، وتحرير المجتمع من التبعية السياسية والاقتصادية، وتمكينه من المشاركة الفعلية في إدارة شؤونه وصناعة مستقبله.

 

 

 

 

شارك