
العقل الاحتجاجي العراقي: انتفاضة تشرين بين التجهيل الممنهج، التضحية العارية، ومسار التأسيس لـ “المواطنة الجامعة”
أطروحة بحثية وفكرية
إعداد//الكاتب والباحث السياسي
الشيخ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
المقدمة والإطار الفكري
تفرض الطبيعة الاجتماعية والسياسية للواقع العراقي التزاما منهجيا ينأى عن السطحية والشعارات المفرغة من محتواها، ويتجه نحو القراءة المباشرة والواعية التي تقرأ التحولات الشعبية بمسؤولية وعمق. إن انتفاضة الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 لم تكن تظاهرة مطلبية عابرة، بل كانت لحظة انكسار حاسمة ومفاصلة تاريخية بين نموذج السلطة التقليدي القائم على إدامة الفساد والتجهيل، وبين نموذج قيادي وفكري استثنائي قدمه الشارع العراقي بكافة شرائحه؛ حيث تجسد فيها التناقض الحاد بين “ازدواجية السلطة الحاكمة” التي تحتمي بعباءة المذهب لتبرير نهب المقدرات وتبرير البطش، وبين “تطلع الشعب” للفكاك من أطر المحاصصة واستعادة كرامة وكيانية الدولة الوطنية.
تستهدف هذه الدراسة تفكيك السردية الحكومية والنخبوية التي حاولت وسم الحراك بـ “الجهل” وإسقاط مقارنات غير عادلة مع تجارب احتجاجية غربية، عبر كشف الآليات الحكومية التي مارست التجهيل القسري، واستقصاء المسار التاريخي للقمع الممنهج، مع إبراز النموذج الوجداني والقيادي الفذ الذي قدمه المواطن العراقي حين واجه البندقية بصدر عار وعلم وطني.
المبحث الأول: المسار التاريخي للقمع الممنهج وترسيخ ازدواجية “الشارع المحمي والشارع المستباح”
تظهر الدراسة الميدانية والتاريخية أن العنف الدموي الذي جابهت به المنظومة السياسية انتفاضة تشرين لم يكن نتاج فوضى لحظية أو تصرفات فردية، بل مثل عقيدة أمنية وسياسية ثابتة اتبعت مع كل حراك شعبي مستقل يهدد مصالح طبقة الحكم القائمة على توزيع المكاسب الحزبية.
أ/ استباحة الحراك المطلبي والطبقات المنتجة:
1/ شريحة الفلاحين: تعرض الفلاح العراقي لقمع معنوي واقتصادي حاد حين خرج مطالبا بمستحقاته المالية المترتبة على تسليم المحاصيل الأساسية (الحنطة والشعير) للدولة، أو مطالبا بالحصص المائية النظامية. إن امتناع السلطة عن دفع المستحقات واجه الاحتجاجات بأساليب الردع؛ لإدامة الاستيراد الخارجي وتدمير القدرة الإنتاجية الوطنية.
2/ شريحة المتقاعدين: واجهت الاحتجاجات المطلبية لكبار السن الداعية لرفع الحد الأدنى لرواتبهم صلفا أمنيا، باستخدام القوة المادية والتضييق الميداني لمنع تشكل أي ضغط شعبي يغير تقسيم الموازنات المخصصة للامتيازات الحزبية.
3/ حملة الشهادات العليا والمهنيين: تمحور الرد الحكومي على تظاهرات الكوادر الطبية والهندسية والتربوية حول القمع المباشر، وتوظيف الغازات والاعتقالات التعسفية بدلاً من استيعاب هذه الطاقات، مما كشف عن رغبة المنظومة في شل فاعلية أصحاب العقول والمهن.
ب/ حماية الاستعراضات الحزبية:
على الضفة المقابلة، تمنح الأجهزة الأمنية حماية كاملة للتظاهرات والتجمعات التي تنظمها أحزاب السلطة؛ إذ تغلق الشوارع وتسخر أدوات الدولة اللوجستية والمادية لرعايتها؛ لكونها تشكل استعراضات قوة توظف لإعادة تقاسم الحصص والنفوذ ضمن قواعد لعبة المحاصصة، لا للمطالبة بـ “المواطنة والقانون”.
المبحث الثاني: هندسة “الإجهاض الاستباقي” وشواهد الذاكرة الدموية (من الصدر العاري إلى استشهاد الأطفال)
تدحض المعطيات الميدانية السرديات الداعية إلى أن العنف جاء نتيجة “انحراف الحراك”، وتؤكد وجود مخطط إجهاضي مسبق تنفيذ منذ الساعات الأولى ضد فكر ثوري ومستنير أراد القتلة خنقه في المهد.
أ/ النموذج القيادي الاستثنائي للتضحية:
قدم العراقيون بكافة تكويناتهم – صبيان، شباب، شابات، وكبار سن – نموذجا تضحويا وقياديا فريدا للبشرية جمعاء. لم يكن الخروج نزهة أو ترفا، بل كان خروجا واعيا نحو الموت المحقق؛ حيث علم المتظاهر العراقي سلفا أنه يواجه سلطة لا تحترم حق التظاهر كما في الدول والمجتمعات المستقرة، بل تجيب الصدور العارية بالرصاص الحي والغاز المباشر.
ب/ حوادث الميدان الموثقة وشهادة التاريخ:
1/ حادثة الشاب والصدر العاري: تتجسد الفلسفة الثورية الواعية للمواطن العراقي في الحادثة الموثقة خلال اليومين الأولين لتشرين، حين وقف شاب عراقي أعزل أمام منتسب أمني مدجج بالسلاح والبندقية ليخاطبه بجسارة ووعي قائلاً: “أنا لم آت إلا بعلم وبصدر عار، وأنت ببندقيتك تريد قتلي.. فإن أردت قتلي فاقتلني، أنا لا أحمل سوى العلم العراقي!”. إن هذه الحادثة تشكل وثيقة إدانة تاريخية للقاتل، وبصمة شرف فكرية تضرب بها الأمثال لجميع أجيال الأمة والعالم بأسره.
2/ واقعة الطفل والعلم الصغير: تتجلى بشاعة السلطة وقسوة أجهزتها القمعية في الواقعة المؤلمة الموثقة في الأيام الأولى للانتفاضة، حين ركض طفل صغير لا يتجاوز عمره الخمس سنوات ببرأة في وسط الشارع حاملا برفق علما عراقيا صغيرا بيده، بينما كانت أسلحة القتلة تطلق الرصاص الحي في كل الاتجاهات والناس تصرخ خشية عليه: “سيقتلون ذلك الطفل!”. ولم ترتدع تلك القوات، بل تجرات بدم بارد على إزهاق روح ذلك الطفل البريء في منتصف الشارع. إن هذه الواقعة الحية تعيش عميقا في الوجدان والفكر العراقي، وتظل هي الحجة الدامغة التي تكذب كل محاولات الأقلام والمدونات السلطوية لشيطنة الثورة وتزوير نبل مطالبها.
ج/ تهاوي أسطورة “الطرف الثالث”:
تجلت ازدواجية الدولة في الفارق بين سرعة القبض على المواطنين والناقدين عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال ساعات، وبين العجز الصريح عن تحديد القتلة والقناصة الذين اعتلوا أسطح البنايات والمولات وارتكبوا مجازر مشهودة (كمجزرة جسر الزيتون بالناصرية وساحات بغداد)، والاختباء خلف مقولة “الطرف الثالث”، وهو ما يثبت تواطؤ المؤسسات أو امتناعها المفتعل عن حماية حق الحياة.
المبحث الثالث: التفكيك المباشر لمغالطة “جهل الشارع” وتفنيد أسطورة مجانية التعليم
إن الرد على مقالات الكتاب والنقاد السلطويين الذين يسعون لإسقاط الثورة يتطلب إسقاط أدوات التكبر الفكري التي تتهم المتظاهر بـ “الجهل” وتقارنه بالمواطن الغربي.
أ/ الأصل المباشر للتجهيل:
إن جهل الأمة هو نتاج مباشر لجهل قادتها وعلمائها ومدعي الثقافة فيها. إن اختلال النوايا التعليمية وتدمير المؤسسات يقع تحت مسؤولية السلطة التي استخدمت التجهيل كأداة للسيطرة على وعي الجماهير وإخضاع الشارع.
ب/ أكذوبة “مجانية التعليم” واستنزاف الطبقات المسحوقة:
1/ نهب الموازنات والمناهج: المليارات المخصصة لطباعة المناهج والمستلزمات تذهب لمسارات الفساد، مما يضطر العائلة العراقية لشراء المناهج والقرطاسية من السوق السوداء.
2/ بيئة الصفوف وتفشي التدريس الخصوصي: اكتظاظ الصفوف بأكثر من 70 طالبا في مساحات ضيقة يفرغ الدرس من محتواه العلمي، ويحول العبء إلى الأسر. تقتطع العائلة من قوتها الأساسي لتغطية نفقات المدرسين الخصوصيين في كافة المراحل.
3/ المجموع المالي للحصول على الشهادة: يتحول الوصول إلى الجامعة إلى مسار تجاري يستنزف الملايين (في المطبوعات أو التعليم الأهلي التابع للأحزاب).
النتيجة: حين يخرج الخريج بعد سنوات النزيف المالي مطالبا بفرصة عمل، يقابل بالرصاص، ثم يهمز بـ “الجهل والتخلف عن أساليب التظاهر الغربية”.
ج/ تهاوي المقارنة مع النموذج الغربي:
يتظاهر المواطن في الدول المستقرة في ظل بيئة كافلة لحق الحياة، ودولة مؤسسات تحمي حرية التعبير وتؤمن رفاهيته. أما المواطن العراقي، فيخرج في بيئة تسلب منه أصل “حق الحياة”؛ وعليه فإن مطالبة المستباح بتقديم سلوك ترفي قبل استعادة ذاته ودولته هي مغالطة تتعامى عن ترتيب احتياجات الإنسان.
المبحث الرابع: التفخيخ التشريعي وتجلي الشعار الشعبي “باسم الدين باگونا الحرامية”
أثبتت الممارسات التشريعية للقوى النافذة عمق الوعي الذي امتلكه الحراك الشعبي حين رفع شعار “باسم الدين باگونا الحرامية”.
أ/ صحة الاستشراف الميداني:
لم ينطلق هذا الشعار من معاداة للدين أو المذهب، بل جاء تفكيكا لاستغلال وتوظيف المقدسات الذي مارسته أحزاب السلطة لإعطاء صفة شرعية مضللة للفساد المالي والتغطية على انهيار الخدمات والتنمية.
ب/ خطورة تفتيت “قانون الأحوال الشخصية”:
إن المحاولات الجارية لإلغاء أو تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وتأسيس “مدونات مذهبية” تمثل تفكيكا ممنهجا للهوية الوطنية:
1/ إعاقة الانصهار المجتمعي: يمنع التقسيم التشريعي التواصل والتصاهر بين أبناء المحافظات والمكونات المختلفة، ويحول الأسرة العراقية إلى ساحة تنازع قوانين فئوية.
2/ تحويل المواطن إلى رعية: يسعى هذا التفتيت لإنهاء رابطة “المواطنة العراقية الجامعة” واستبدالها بالولاء الطائفي الفرعي، مما يعيد إنتاج قواعد المصالح الضيقة للأحزاب الحاكمة.
المبحث الخامس: واقع “التسلق السياسي” ومسرحية القيادات المصنوعة
أنتجت المرحلة اللاحقة للتظاهرات ظاهرة اجتماعية وسياسية أطلقت عليها الدراسة اسم “التسلق عبر الرمزية الثورية”.
أ/ التحول من الطرد إلى الادعاء:
إن شخصيات الأحزاب الحاكمة التي ووجهت بالرفض والطرد من الساحات بشعار “كلهم يعني الكل”، عادت بعد خمود الحراك لتدعي تبني مطالب تشرين وحمايتها.
ب/ ظاهرة “موزعي الشطائر”:
1/ شهدت الساحات صعود أفراد اقتصرت مشاركتهم الميدانية على سلوكيات هامشية عابرة؛ كتوزيع الشطائر التي أعدها المتبرعون، أو التقاط الصور التذكارية أمام العدسات لإنشاء ملفات نضالية زائفة.
2/ استغلت هذه المشاركة من قبل القوى السياسية والإعلامية لتحويل هؤلاء الأفراد إلى “قادة ومتحدثين باسم الانتفاضة”، ومنحهم مقاعد برلمانية ومناصب تنفيذية، مما شكل مصادرة وتحويلا لإنجاز ودماء الشهداء والجرحى لصالح مكاسب شخصية.
ج/ أصالة الوعي الجمعي:
تؤكد الدراسة أن تشرين كانت حراكا جماهيريا عفويا بلا قائد فردي؛ وبالتالي فإن كل محاولة لاحتكار لسان حالها تعد اغتصابا لروح الذاكرة الوطنية.
الخاتمة والاستنتاجات
أثبتت انتفاضة تشرين أن الوعي العراقي قفز فوق آليات التجهيل والمحاصصة التي أسست بعد عام 2003، ورسخ أدبيات لا يمكن مشارطتها مع أي حراك تقليدي؛ لكونه حراكا قدمت فيه الأرواح والدماء على مذبح الحرية بوعي وشجاعة نادرين. إن التضحيات التي قدمت في الساحات والجسور الممتدة أصلت لمسار تاريخي لا يمكن التراجع عنه.
تتمثل الاستنتاجات الحاكمة في التالي:
1/ إن التضحية بالروح والصدر العاري المرفوع بالراية الوطنية، واستشهاد الأطفال العزل بأيدي القناصة وهم يحملون العلم الصغير، أثبتت وجود عقلية قيادية وفكرية متقدمة لدى المواطن العراقي تفوقت على صلف آلة القمع الحكومية وأسقطت محاولات الشيطنة والتزوير.
2/ إن القمع الممارس ضد الانتفاضة كان قرارا استباقيا لإجهاض هذا الفكر المتحضر والتأسيسي لدولة المواطنة قبل تمدده.
3/ إن دعاوى “الجهل” التي تكال ضد الشارع هي أداة سلطوية لجلد الضحية والتغطية على الفساد المؤسسي وتدمير التعليم.
4/ إن المحاولات التشريعية لتقسيم القوانين حظر للهوية الجامعة وتكريس لسطوة دكاكين المذاهب.
5/ إن ظاهرة المتسلقين وموزعي الشطائر صنيعة إعلامية وسياسية لم تنجح في إلغاء الحقيقة العميقة والنقية للحراك.
تظل تشرين مرجعا أخلاقيا وسياسيا يحدد ملامح أي تغيير قادم، قائم على “وحدة الأرض والسماء والعلم”، وإرادة بناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية الموحدة.



