ممرّ النار الحلقة الثانية: الرأس والجسد

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

كيف نقرأ ما يحدث بعيداً عن الضجيج؟ كتب توماس شيلنغ (اقتصادي أمريكي حاز جائزة نوبل ودرس منطق الردع والمساومة) في (السلاح والتأثير) أن القوة العسكرية لا تُستعمل لتدمير الخصم فقط، بل لإجباره على تغيير حساباته. وكتب روبرت جيرفيس (أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا) عن (معضلة الأمن): كل دولة تحصّن نفسها فتزرع القلق في جارها، فيحصّن نفسه، وينتهي الجميع إلى أمن أقل. وبهذا المنطق لا تبدو إيران طرفاً يبحث عن الحرب، بل دولة تحسب لكل خطوة حساب البقاء: تبني ردعها وتحمي عمقها وتختبر حلفاءها.

 

وحين تُوجَّه الضربة إلى دولة بأكملها يلتف الناس حول رايتها حتى لو اختلفوا مع حكومتها. لذلك يفضّل الاستراتيجيون استهداف (النظام) لا (الدولة): قيادات ومنشآت وشبكات، مع ترك المجتمع جانباً. وقد قال هذا قبل سنوات محمد حسنين هيكل (كاتب صحفي مصري وأحد أبرز المحللين العرب)، حين رأى أن الغزو التقليدي لإيران يوحّد أهلها ويطيل أمد الصراع.

 

لكن الفصل بين الرأس والجسد أصعب على الأرض منه على الورق. فالتقارير تشير إلى أن الضربات الأولى طالت قيادات عليا، ومنها المرشد علي خامنئي (المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية)، وانتقل الموقع إلى مجتبى خامنئي. ومع ذلك لم تتوقف مؤسسات الدولة عن العمل، وهذا ما يفسّره علم السياسة: الدول التي ترسّخت مؤسساتها عبر عقود لا تنهار بفقدان شخص، مهما علا موقعه. وحين قبلت واشنطن وطهران الهدنة في أبريل جلس الطرفان إلى طاولة واحدة، وهذا اعتراف ضمني بأن الدولة ما زالت قائمة وقادرة على التفاوض.

 

ثم إن الملف النووي صار في الوعي الإيراني قضية سيادة وكرامة علمية، يتفق حولها الموالي والمعارض. فكل ضربة عليه تُقرأ داخلياً بوصفها اعتداءً على حق لا على سياسة. وقد درس غراهام أليسون (أستاذ في جامعة هارفارد ومؤلف كتاب حتمية الحرب) كيف تنزلق القوى إلى مواجهات لا يريدها أحد بعينه، لكن لا أحد يستطيع إيقافها حين تبدأ.

 

وتبرز قدرة إيران على الاستمرار تحت الضغط. فمن يعيش أربعين عاماً تحت العقوبات يتعلم الاقتصاد المقاوم والصناعة المحلية وتعدد الشركاء، وتأتيه اليوم سندات إضافية من موسكو وبكين. وهذه خبرة لا تُصنع في أشهر.

 

والمفارقة لا تخصّها وحدها: الاستراتيجية التي تراهن على إسقاط الرأس تصطدم بمجتمع يعرف كيف يحمي وجوده. وحتى الرئيس الأمريكي نفسه قال هذا الأسبوع إن بلاده تستطيع (المغادرة) الآن، وهو يصف القيادة الإيرانية بالمنهَكة. والمنهَك الذي لم يسقط هو ما يبقى في الميدان.

 

في الحلقة القادمة: وماذا عن الأرض التي تتلقى الرسائل؟

شارك