في كل معادلة سياسية، القوة هي التي تفرض الشروط على طاولة المفاوضات. والمشهد اللبناني اليوم يقف على مفترق، طرف يقدم صموداً ميدانياً، وطرف آخر يراهن على تفاوض مباشر مع خصم لم يلتزم بما وقّع عليه.
ما قدمته المقاومة خلال المواجهة الأخيرة تجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. صمود أمام آلة عسكرية متفوقة تكنولوجياً، وإطالة أمد المواجهة رغم الفارق، أعاد تعريف مفهوم (الردع) في المنطقة. هذا الصمود خلق معادلة جديدة. أي إعتداء له كلفة، وأي خرق له رد. بمعنى آخر، المقاومة صنعت ورقة قوة من الواقع الميداني، وهذه الورقة هي ما يُجلس الآخرين للتفاوض أصلاً.
في المقابل، السلطة اللبنانية دخلت مسار التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي. لكن المشكلة أن الطرف المقابل يطرح شروطاً تبدأ وتنتهي بمطلب واحد فقط هو نزع سلاح حزب الله. وهو شرط يعرف الجميع أستحالة قبوله في التوازن الداخلي اللبناني اليوم.
الأخطر، أن العدو لم يلتزم حتى بوقف إطلاق النار المتفق عليه. فما قيمة طاولة تفاوض لا يحترمها أحد طرفيها؟ التفاوض بلا ورقة ضغط يتحول من إدارة أزمة إلى إستسلام مؤجل. والسلطة، بغياب أي رافعة ميدانية أو دولية ضاغطة، تجد نفسها تطلب وقف النار ممن لا يعنيه أصلاً.
على الضفة الأخرى، إيران وضعت شرطاً واضحاً في أي نقاش مع الأميركي، وقف إطلاق النار في لبنان، وانسحاب العدو من الأراضي التي أحتلها مؤخراً. هنا إيران تربط ملفها النووي والإقليمي بملف لبنان، وتحاول أستعادة ورقة الضغط المفقودة.
السؤال الذي يُطرح بقوة اليوم، هل تقبل السلطة اللبنانية أن تُفاوض عنها دولة إقليمية؟ وهل ترفض وتتمسك بخيارها المستقل رغم غياب الأوراق؟ كل خيار له كلفته السياسية والوطنية.
الصمود والمقاومة يصنعان القوة للدولة، والتفاوض دون أوراق قوة لا يحمي وطناً. المعادلة تحتاج للأثنين معاً، قوة ميدانية تفرض الأحترام، وعقل سياسي يحول هذه القوة إلى مكاسب وطنية.
اليوم لبنان يدفع ثمن الفصل بين الأثنين. فإما أن توحد السلطة خطابها مع واقع الميدان وتدخل التفاوض وهي تملك ما تدافع عنه، أو تبقى تدور في حلقة مفرغة من الشروط المستحيلة والوعود غير الملتزم بها.
من يريد حماية لبنان يجب أن يفهم، الدماء التي تُقدم في الجنوب هي الرصيد الحقيقي الوحيد على الطاولة. وإهدار هذا الرصيد بتفاوض بلا ضغط، أخطر من المعركة نفسها.
نضال عيسى

















Discussion about this post