ألمانيا وسوريا: هل يتحول سقوط الأسد إلى نهاية قانونية للحماية؟ مصير 670 ألف سوري أمام اختبار القضاء والواقع الأمني

 

 

بقلم: أم السعد نصر | رئيسة تحرير شمس اليوم

 

بين رغبة برلين في تسريع العودة، واستمرار المخاطر الأمنية والإنسانية في سوريا، يدخل ملف الحماية مرحلة حساسة قد تعيد رسم مستقبل مئات الآلاف من السوريين. لكن تغيير السلطة لا يعني تلقائياً زوال الخطر، كما أن مراجعة الحماية لا تعني بالضرورة صدور قرار بالترحيل.

 

لم تعد قضية اللاجئين السوريين في ألمانيا مجرد نقاش حول الهجرة أو كلفة الإعانات الاجتماعية، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة الدولة الأوروبية على التوفيق بين توجهاتها السياسية والتزاماتها القانونية، في لحظة لم تستقر فيها الأوضاع السورية بالقدر الذي يجعل العودة مسألة محسومة.

 

ففي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، كشف تقرير لموقع «إن تي في» الألماني عن توجه وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت إلى تقديم مشروع قانون خلال الخريف يهدف إلى تسهيل مراجعة الحماية الممنوحة للسوريين وتسريع عودتهم. وتضع هذه الخطة نحو 670 ألف شخص من حاملي الحماية الفرعية في دائرة الاهتمام، وفق التقرير، فيما بدأت بالفعل مراجعات فردية لملفات بعض السوريين.

 

وتستند المقاربة الحكومية إلى أن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 غيّر الظروف التي دفعت كثيرين إلى مغادرة البلاد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز التغيير السياسي: هل أصبحت سوريا آمنة بما يكفي لعودة من فرّوا منها، وهل يمكن تعميم حكم واحد على أشخاص تختلف ظروفهم ومناطقهم وأسباب لجوئهم؟

 

الإجابة لا تختزلها التصريحات السياسية، ولا تحسمها أرقام العائدين وحدها. فهي تتطلب قراءة تجمع بين القانون، والأمن، والواقع الإنساني، وقدرة المؤسسات السورية على توفير الحماية والاستقرار.

 

من التغيير السياسي إلى مراجعة الحماية

 

شكّل سقوط النظام السابق تحولاً تاريخياً في سوريا، وفتح الباب أمام إعادة تقييم السياسات الأوروبية تجاه السوريين. وفي ألمانيا، تزايدت الدعوات إلى مراجعة أوضاع الحماية، بالتوازي مع ضغوط داخلية تدعو إلى تقليص الهجرة غير النظامية وتعزيز تنفيذ قرارات المغادرة.

 

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن الحرب الأهلية في سوريا انتهت، وأن الوقت حان لبدء عمليات الإعادة. ثم اتجهت الحكومة إلى بحث ترتيبات مع السلطات السورية الجديدة بشأن العودة وإعادة الإعمار.

 

لكن الانتقال من إعلان سياسي عن انتهاء مرحلة من الحرب إلى استنتاج قانوني بأن أسباب الحماية قد زالت، ليس خطوة تلقائية. فالحماية الدولية تُمنح بناءً على مخاطر محددة، ويقتضي إنهاؤها التحقق من أن الشروط القانونية التي استدعت منحها لم تعد قائمة.

 

قد يكون التغيير السياسي عاملاً مهماً في هذا التقييم، لكنه لا يكفي بمفرده للإجابة عن أسئلة تتعلق باستمرار العنف، والاضطهاد، والتهديدات الشخصية، وغياب الحماية الفعلية في بعض المناطق.

 

وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية: لا يتعلق الأمر بإنكار التحولات التي شهدتها سوريا، بل بتحديد ما إذا كانت هذه التحولات قد أنتجت استقراراً فعلياً ومستداماً يسمح بالعودة الآمنة.

 

670 ألف سوري: ماذا تعني الخطة الألمانية؟

 

وفق تقرير «إن تي في»، يستهدف التوجه الحكومي مراجعة أوضاع نحو 670 ألف سوري يتمتعون بالحماية الفرعية. ويتيح القانون مراجعة هذا الوضع عندما تنتفي الشروط التي بُني عليها، لكن ذلك لا يمنح السلطات أساساً لإلغاء الحماية عن الجميع بصورة آلية لمجرد تغير النظام السياسي.

 

ويجب التمييز هنا بين ثلاثة أمور مختلفة: مراجعة الحماية، وصدور قرار بإنهائها، ثم تحديد ما إذا كان الشخص ملزماً بالمغادرة وما إذا كان ترحيله جائزاً قانوناً.

 

فقد يفقد شخص صفة الحماية التي كان يتمتع بها، لكنه يظل مستفيداً من أساس آخر للإقامة، كالإقامة المرتبطة بالعمل أو التدريب أو غيرهما من الأوضاع التي يعترف بها القانون. كما أن القرار الفردي قد يخضع للطعن القضائي، وفق الإجراءات والآجال المقررة.

 

وتزداد حساسية المسألة مع اتساع عدد الملفات المحتمل مراجعتها. فالتعامل مع مئات الآلاف من الحالات يفرض عبئاً إدارياً كبيراً، ويتطلب وقتاً وموارد وخبرة قانونية، خصوصاً إذا ظهرت اختلافات بين التقييم السياسي العام والتقارير الرسمية بشأن المخاطر الأمنية والإنسانية في سوريا.

 

تحذير السفر: سؤال صعب أمام السلطات الألمانية

 

من أبرز المؤشرات التي تستحق التدقيق استمرار تحذير وزارة الخارجية الألمانية من السفر إلى سوريا.

 

ففي تحديثها المؤرخ في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، واصلت الوزارة التحذير من السفر، وأشارت إلى أن السفارة الألمانية في دمشق لا تستقبل الزوار بصورة اعتيادية، وأن المساعدة القنصلية الطارئة المتاحة للمواطنين الألمان داخل سوريا محدودة للغاية.

 

كما تتحدث الإرشادات الرسمية عن استمرار الحوادث الأمنية، بما فيها الهجمات بالعبوات الناسفة في دمشق منذ مايو/أيار 2026، إلى جانب المخاطر التي تشهدها مناطق أخرى.

 

ولا يعني تحذير السفر، في حد ذاته، أن كل سوري يستحق الحماية أو أن جميع قرارات إنهائها ستكون غير قانونية؛ فالمعيار القانوني المطبق على طلب الحماية يختلف عن التحذير العام الموجه إلى المسافرين. لكن استمرار التحذير يطرح سؤالاً مشروعاً حول كيفية تقييم السلطات لمخاطر العودة، ومدى اتساق القرارات الفردية مع المعلومات الرسمية المتاحة.

 

كما لا يمكن التعامل مع سوريا باعتبارها مساحة متجانسة أمنياً. فالمخاطر تختلف باختلاف المنطقة والظروف الشخصية والانتماءات السابقة وطبيعة التهديدات التي قد يتعرض لها الفرد.

 

ومن ثم، فإن أي تقييم جاد يجب أن يتجاوز المؤشرات العامة إلى فحص الوقائع ذات الصلة بكل حالة.

 

الأمن ليس المؤشر الوحيد

 

حتى إذا تحسنت الأوضاع الأمنية في مناطق معينة، فإن العودة المستدامة تتطلب أكثر من غياب المواجهات المسلحة. فالسوريون العائدون يحتاجون إلى مساكن صالحة، وخدمات صحية وتعليمية، وفرص عمل، وإمكانية الوصول إلى الغذاء والمياه والكهرباء، فضل

شارك