
المنطقة بين الانفجار الكبير او الاستسلام الاخير بين النموذج العراقي والأفغاني … طهران أمام خيارين أحلاهما مُرّ
#عدنان_الروسان
في غمار “الردع الناري الخشن” الذي يمارسه ترامب، تعيش المنطقة بأكملها تحت رحمة ضربة واحدة “غير منضبطة” قد تفجر المشهد كلياً.
تجد طهران نفسها اليوم أمام اختبار هو الأصعب لمعادلة “الردع” التي بنتها على مدار عقود؛ فخسارة أو إضعاف حلفائها الإقليميين (خاصة حزب الله) يمثل تهديداً مباشراً لعمقها الاستراتيجي. ومع ذلك، تحاول القيادة الإيرانية موازنة ردودها العسكرية لتجنب الوقوع في فخ “الحرب الشاملة” التي قد تستهدف منشآتها النفطية أو برنامجها النووي، معتمدة في الوقت نفسه على دبلوماسية نشطة تجاه العواصم الخليجية والعالمية لتقليل العزلة.
الموقف الإيراني يبدو شديد الغرابة والسيولة؛ فمن جهة تقوم إيران بامتصاص الضربات التي تنفذها الولايات المتحدة منذ أسبوع تقريباً، بينما تواصل واشنطن التهديد والضرب بقوة، وتستمر طهران في احتواء الموقف بضربات محدودة وغير مؤثرة. ويبدو أن هذا الحال يناسب تماماً خطة ترامب وإدارته.
فالولايات المتحدة لا تريد الغرق في حرب برية طويلة المدى، لكن استراتيجيتها الحالية تقوم على “الردع الناري الخشن” عبر سلاح الجو والبحرية لإنهاك القدرات العسكرية الإيرانية وإجبارها على التراجع. هذا السيناريو يجعل المنطقة تعيش تحت رحمة ضربة واحدة “غير منضبطة” لتحول المشهد من حرب استنزاف وكسر عظم إلى انفجار إقليمي شامل.
الموقف تغير كثيراً جداً في اليومين الأخيرين، ويبدو أن ترامب قد كسر نظرية “وقف الحرب” لتجنيب الحزب الجمهوري خسارة الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر المقبل. بل يبدو أنه يرى في التصعيد ممرًا إجباريًا يفضي إلى إعادة ترتيب المنطقة، وانتزاع نصر صريح على إيران يستفيد منه هو شخصياً، كما يستفيد منه بنيامين نتنياهو؛ فكلا الرجلين تتقاطع مصالحهما السياسية والشخصية بصورة كبيرة جداً.
ومن هنا، فإن صانع القرار في طهران يجد نفسه اليوم أمام خيارين أحلاهما مر، وكل خيار يحمل في طياته مخاطر وجودية:
1️⃣ الخيار الأول: الرد الموجع (استعادة الردع)
إذا قررت إيران توجيه ضربة كبرى وقاسية لإسرائيل أو للقواعد الأمريكية في المنطقة، فإنها بذلك تثبت لمعسكرها ولخصومها أنها لا تزال قادرة على فرض معادلة الرعب.
ولكن، هذا الخيار يحمل كلفة استراتيجية باهظة قد تفوق المكاسب؛ فإدارة ترامب ونتنياهو يمتلكان حالياً تفويضاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق. أي رد إيراني كبير قد يكون هو “الذريعة المرجوة” لشن حملة تدميرية شاملة تستهدف ما تبقى من البرنامج النووي، ومنشآت النفط الحيوية (مثل جزيرة خارق)، ومراكز القيادة في طهران. فضلاً عن خطر الانهيار الاقتصادي، فالداخل الإيراني يعاني من أزمات طاحنة وضغوط معيشية خانقة، والدخول في مواجهة شاملة قد يفجر الجبهة الداخلية، وهو ما تخشاه القيادة هناك أكثر من الهجمات الخارجية.
2️⃣ الخيار الثاني: ضبط النفس والامتصاص (الحفاظ على البقاء)
هذا المسار يراه البعض “انكفاءً أو خطأً فادحاً”، بينما يراه تيار آخر داخل طهران (خاصة الجناح الدبلوماسي والرئاسي) بمثابة “صبر استراتيجي” لحماية البقاء، وهو المسار الذي قد تتبناه إيران في نهاية المطاف.
الأيام القليلة القادمة، وربما الساعات المقبلة، ستكون ضاغطة بشكل كبير على صانع القرار الإيراني، خاصة بعد رسائل المرشد الأعلى “مجتبى خامنئي” والتي تؤشر إلى تبني خيارات المقاومة وتتقاطع بوضوح مع رؤية الحرس الثوري.
إيران تعيش أزمة هوية استراتيجية؛ فالرد القاسي قد يعني مواجهة عسكرية غير متكافئة تدمر مقدرات الدولة، وعدم الرد يعني تآكلاً كاملاً لهيبتها ولشبكة تحالفاتها الإقليمية وتحولها إلى هدف مستباح. وبينما يرى الحرس الثوري أن الصمت خطيئة استراتيجية، ترى مؤسسة الرئاسة والقيادة العليا أن الاندفاع قد يكون الخطيئة التي لا يمكن إصلاحها.
على مستوى التحليل الاستراتيجي، أرى أن على إيران أن تدرك —وأعتقد أنها تدرك— أن طريق الخلاص الوحيد أمامها إذا ما أرادت الحفاظ على وحدة ترابها وسيادتها، هو الإقدام على رد عسكري حاسم يربك كل حسابات واشنطن وتل أبيب. ستكون النتائج المترتبة عليه قوية، ولكن كلفة المواجهة الشجاعة تظل أقل بكثير من كلفة الانكسار استسلاماً.
والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة جداً، وكان آخرها النموذج الأفغاني. وعلى طهران اليوم أن تختار بين نموذجين: إما النموذج العراقي أو النموذج الأفغاني.



