
أين نحن الآن؟ قراءة في الساعات الفاصلة: من يضرب الجسور فقد خسر الميدان
ستّ ليالٍ من القصف، وبنك أهداف ينتقل من الثكنة إلى الجسر، وردٌّ إيراني يضرب المنصّة لا الرمز ، والسؤال لم يعد “من يصعّد؟” بل “من يقدر أن يتوقّف أولاً؟”
المقدمة
في علم الحرب قاعدة لا تُخطئ: بنك الأهداف هو اعتراف المهاجم بحقيقته. حين تضرب في الليلة الأولى منصّات الصواريخ، فأنت تقاتل جيشاً. وحين تضرب في الليلة السادسة جسراً تجارياً على الطريق السريع 76 بين بندر عباس وشيراز، ومطاراً في إيرانشهر، وكهرباء جزيرة كيش، فأنت لا تقاتل جيشاً ، أنت تعاقب شعباً لأنك عجزت عن كسر جيشه. الجسر لا يُطلق صاروخاً. ومن ينتقل من الثكنة إلى الجسر، يكون قد أعلن ، دون أن يدري ، أن الثكنة صمدت.
#أولاً: الرقم الذي يفضح نفسه
مصدر عسكري أمريكي يزفّ “إنجازاً”: تدمير 25% من القدرة العسكرية الحالية للحرس الثوري. لنقرأها بالمقلوب كما تُقرأ الأرقام في الحروب: بعد ستّ ليالٍ متواصلة من القصف، وبعد نشر أكثر من عشرين قطعة بحرية ومئات المقاتلات، لا تزال ثلاثة أرباع القدرة قائمة. هذا ليس بلاغاً عن نصر، هذا محضر عجز. وتُكمله شهادة أثقل: “طهران تايمز” تكشف أن واشنطن طلبت من إيران ، عبر وسيط شرق آسيوي ، وقف هجماتها الانتقامية، وأن قائد “سنتكوم” لوّح بالاستقالة ثلاث مرات في أسبوع. من يقصف ستّ ليالٍ ثم يستجدي خصمه أن يكفّ عن الرد، لا يملك المبادرة ، يملك الطائرات فقط.
#ثانياً: المعادلة الإيرانية الجديدة ، من يستضيف المنصّة يدفع ثمنها
الرد الإيراني هذه الليلة لم يكن رمزياً ولا انتقامياً بالمعنى العاطفي: صواريخ ومسيّرات على منصّات “هايمارس” في الكويت حتى انفجرت ذخيرتها، حرائق تلتهم قاعدة أمريكية قرب الحدود العراقية، رادار مستهدَف قرب أم قصر، قصف الطريق الذي تتحرك عليه المنصّات المتنقلة، ومسيّرة تضرب منصّة إطلاق في أربيل فتنطفئ كهرباء المحافظة.
هذه عقيدة واضحة: لا تضرب من رمى فحسب ، اضرب اليد والمكان الذي رمى منه. ونتيجتها الاستراتيجية أخطر من عسكريّتها: كل أرض تستضيف منصّة أمريكية باتت جبهة مكشوفة. وهذا يضع الكويت وأربيل وسواهما أمام السؤال الذي لا مهرب منه: كم تُساوي “الحماية الأمريكية” حين تصير هي نفسها سبب القصف؟
#ثالثاً: الساعة التي تدقّ على واشنطن لا على طهران
وكالة الطاقة الدولية تُحذّر: قلقٌ على النفط والغاز إن لم تتحسّن التدفقات عبر هرمز خلال أسابيع. وأمريكا تنزل بمشاة البحرية على ناقلة “وين ياو” في خليج عُمان لفرض حصار بالقوة. لكن انظروا إلى المعادلة بعين باردة: الحصار يضغط على اقتصاد إيران، وإغلاق هرمز يضغط على اقتصاد العالم. طهران تخسر تصديرها، وواشنطن تخسر أسواقها وحلفاءها وأسعار وقودها. لهذا قالها المتحدث باسم قواتها المسلحة بجملة تُختصر بها الحرب كلها: “تصدير النفط إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد.” ولهذا أيضاً تتردّد واشنطن في الإنزال البري على الجزر ، التردّد نفسه هو الردع.
#رابعاً: المؤشر الأخطر ، طائرات إلى وجهة مجهولة
مقاتلات إسرائيلية تُقلع إلى “وجهة غير معروفة”، طائرات تزويد بالوقود من طراز KC-46A وKC-135R مرصودة فوق غرب آسيا، صفارات في كريات شمونة قيل إنها “خطأ في التشخيص”. هذه ليست تفاصيل هامشية ، هي التوقيع الكلاسيكي لتحضير عملية بعيدة المدى. والخط الأحمر الإيراني معلن بلا مواربة: أي حماقة إسرائيلية، والرد يتركّز على الكيان نفسه لا على قواعد أمريكا.
#خامساً: وفي الجنوب ، يتقدّمون بالإشاعة لأنهم عجزوا بالدبابة
وبينما يحترق الخليج، يخرج مكتب مخاتير بلدة حاريص ببيان ينفي ما أُشيع عن توغّل إسرائيلي وعائلات محاصرة، ويقول بصراحة إن نشر هذه الأخبار “يصبّ في مصلحة العدو ويخدم أهدافه”. والحقيقة الميدانية أبسط بكثير: تقدّم متقطّع إلى تلّة البركة عند حداثا، وتمشيط بالرشاش في مناطق مفتوحة، وغارة على حي المشاع في المنصوري.
افهموا الرسالة جيداً: من عجز عن انتزاع تلّة في 140 يوماً، يريد أن ينتزع قراكم بخبرٍ كاذب. النزوح الذي فشل في فرضه بالنار، يحاول تحصيله بالهلع ، مجاناً وبلا رصاصة واحدة.
#الخاتمة: السيناريو الأقرب
لا أبيع يقيناً، بل أضع ترجيحاً مبنياً على ما بين أيدينا:
الأرجح (55%) ، تصعيد متبادل محدود لأيام إضافية، ثم تهدئة اضطرارية تفرضها فاتورة الطاقة العالمية لا كرم أحد. الاقتصاد سينهي ما لم ينهه السلاح.
الأخطر (30%) ، دخول إسرائيلي مباشر يفتح الجولة الأوسع، فينتقل الرد الإيراني إلى الكيان نفسه، وتتغيّر قواعد الاشتباك كلياً. هذا السيناريو مرهون بحماقة نتنياهو الباحث عن صورة قبل نهايته.
الأضعف (15%) ، إنزال بري أمريكي على جزر قرب المضيق. تردّد ترامب الموثّق يجعله بعيداً، لكن لا يُشطب.
وفي لبنان: لا تهجير جماعي مرجّح في هذه الساعات ، الظرف الإقليمي كله يضغط ضده. لكن التصعيد الموضعي والاغتيال والقصف الانتقامي واردة كلها. والأخطر اليوم ليس الصاروخ ، إنه الشائعة. تحقّقوا قبل أن تنقلوا، واستقوا من مصادركم الرسمية والمحلية لا من صفحة مجهولة، فكل هلعٍ تنشرونه هو خدمة مجانية لمن عجز عن انتزاعها بالنار.
…حين ينتقل عدوّك من قصف الثكنات إلى نسف الجسور، فاعلم أنه لم يعد يقاتل جيشك ، صار يقاتل صبرك. وحين يستجدي وقف ردّك بعد ستّ ليالٍ من قصفه، فاعلم أن يده ثقيلة ونَفَسه قصير. الجسور تُبنى من جديد، والكهرباء تعود، والإرادة وحدها هي التي إن سقطت لا تُعوَّض ، وهي لم تسقط.
قولوا يا رب.
د. وسيم جابر-



