
التكبّر يلبس الفراغ تاجاً
بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.
ثَمّة أناسٌ لا يمشون على الأرض، بل يمشون فوقها؛ كأنهم وُلدوا من سلالة الغيم، وكأن الطريق خُلق كي ينحني لخطواتهم، والناس خُلقوا كي يصفّقوا لمرورهم. يرفعون رؤوسهم لا لأن في السماء ما يستحق النظر، بل لأنهم يخافون أن ينظروا إلى الداخل، حيث الحقيقة التي لا يستطيع الإنسان أن يخدعها طويلًا. هناك، في أعماق النفس، قد يكتشف المتكبّر أن التاج الذي يضعه فوق رأسه ليس من ذهب، بل من فراغ.
التكبّر ليس أن تعرف قيمتك؛ فمعرفة الإنسان لنفسه فضيلة، وليس أن ترفع رأسك؛ فقد يكون في رفع الرأس عزّةٌ تحفظ للإنسان كرامته. التكبّر أن تحتاج إلى تصغير الآخرين كي تشعر أنك كبير، وأن تجعل من غرورك سلّمًا تصعد عليه فوق أكتاف الذين لم يؤذوك. إنه أن تنظر إلى الناس بعينٍ لا ترى فيهم بشرًا، بل درجاتٍ متفاوتة في سلّمٍ صنعته لنفسك، ثم أقنعت قلبك أنك وُلدت في أعلاه.
وما أغرب الإنسان حين تلمس النعمة يده، فينسى اليد التي وهبته إياها! يمنحه المال، فيظن أن النقود صنعت له دمًا جديدًا، ويمنحه العلم، فيتوهم أن كثرة الكتب جعلته أكبر من السؤال، ويضعه على كرسيّ السلطة، فينسى أن للكرسي أربعة أرجل، وأن الإنسان حين يغادره لا يحمل معه شيئًا سوى ما تركه من أثر في قلوب الآخرين.
التكبّر، في حقيقته، ليس قصرًا شامخًا كما يبدو من الخارج؛ إنما هو بيتٌ خائف، أبوابه عالية لأن صاحبه يخشى أن يراه الناس من الداخل. هو قناعٌ ثقيل تضعه نفسٌ مرتجفة كي لا يكتشف أحدٌ ضعفها، وهو ضجيجٌ كثير قد يصدر أحيانًا عن غرفةٍ فارغة. ولذلك، كلما احتاج الإنسان إلى أن يعلن عظمته، كان عليه أن يسأل نفسه: لماذا أخاف أن يراني الناس كما أنا؟
فالعظيم حقًا لا يحتاج إلى مكبّر صوت. النهر لا يكتب على ضفتيه: «أنا عميق»، والشجرة المثمرة لا تعلّق على أغصانها لافتةً تقول: «انظروا كم أحمل من الثمر». وحده الفراغ يحب الضجيج؛ لأن الصمت قد يفضحه. وما أكثر الذين يرفعون أصواتهم كي لا يسمعوا صوتًا صغيرًا في داخلهم يقول: «لست كما تتظاهر».
المتكبّر يعيش داخل مرآةٍ مسمومة؛ لا يرى فيها وجهه، بل الصورة التي صنعها عن نفسه. إذا أخطأ، سمّى خطأه كبرياءً، وإذا جرح، سمّى قسوته صراحةً، وإذا اعتذر، شعر أن الاعتذار يهدم عرشه، وإذا خسر الناس، قال إنهم لم يكونوا جديرين به. وهكذا لا يخسر المتكبّر الآخرين دفعةً واحدة؛ بل يخسرهم واحدًا تلو الآخر، حتى يبقى ذات مساءٍ واقفًا أمام بابٍ لم يعد أحدٌ يريد طرقه.
وأقسى أنواع الوحدة أن تكون محاطًا بالوجوه، ولا تجد وجهًا واحدًا تستطيع أمامه أن تخلع قناعك. فبعض المتكبرين لا يريدون أن يكونوا فوق الجميع؛ إنهم يخافون فقط أن يكتشفوا أنهم ليسوا فوق أحد. لذلك يقضون أعمارهم في سباقٍ غريب، لا يبحثون فيه عن النجاح، بل عن شخصٍ أقل منهم؛ لا يريدون سماءً أوسع، بل يريدون أرضًا ينظرون منها إلى الآخرين من علٍ.
لكن الحياة لا تحب التيجان المستعارة. قد تمنحك يومًا جناحين، ثم تذكّرك في اليوم التالي أنك ما زلت إنسانًا. قد تفتح لك أبوابًا كثيرة، ثم تغلق أمامك بابًا واحدًا فتكتشف حاجتك إلى من كنت تراه صغيرًا. قد تجعلك غنيًا حتى لا تحتاج إلى أحد، ثم تضع في طريقك لحظةً واحدة لا يعبرها المال. وحينها تبدأ الحقيقة في الظهور، ويسقط الوهم عن عرشٍ ظن صاحبه أنه أبدي.
كم من قويٍّ احتاج إلى يد ضعيف، وكم من عالمٍ علّمه طفلٌ درسًا لم تجده كتبه، وكم من غنيٍّ اشترى كل شيء ثم اكتشف أن هناك أشياء لا تُشترى، وكم من إنسانٍ كان يظن أن الناس ينتظرون سقوطه، ثم حين سقط وجد أن الذين احتقرهم كانوا أول من مدّوا له أيديهم.
ذلك هو الفرق بين العظمة والتكبّر. العظمة أن تكبر في أعين الناس من دون أن تصغّرهم، وأن تعرف أنك تستطيع أن تؤلم فتختار الرحمة، وأن تعرف أنك تستطيع أن تنتصر في جدال فتختار أن تحفظ قلب من أمامك، وأن تنجح ثم تلتفت إلى الذين ما زالوا في بداية الطريق بدل أن تسخر من تأخرهم.
التواضع ليس أن تطفئ نورك كي يلمع الآخرون؛ بل أن تضيء دون أن تحرقهم. أن تدخل مجلسًا فلا تبحث عن أكثر الناس ضعفًا لتشعر بقوتك، بل عن أكثرهم وحدةً لتمنحه شيئًا من دفء حضورك. أن تملك المعرفة ولا تجعل الجهل عارًا على من لم يتعلم، وأن تملك المال ولا تجعل حاجة الفقير سببًا في انكساره أمامك.
فالناس قد ينسون كلماتك، وقد ينسون ثيابك، وقد ينسون منصبك، وربما ينسون حتى وجهك، لكنهم نادرًا ما ينسون كيف جعلتهم يشعرون وهم بقربك. هناك أشخاصٌ يمرّون في حياتنا كالعطر؛ لا يملكون الكثير، لكنهم يتركون في الروح شيئًا لا يزول. وهناك من يملكون القصور والمناصب والألقاب، ثم يمرّون كريحٍ باردة، لا يتركون وراءهم إلا رغبةً في أن تنتهي زيارتهم.
وفي آخر الطريق، ستسقط كل الأقنعة. سيسقط اللقب عن الاسم، والذهب عن اليد، والسلطة عن الكرسي، والتصفيق عن القاعة. سيأتي يومٌ لا تنفع فيه كل تلك الأشياء، ويقف الإنسان أمام نفسه كما وقف أول مرة: بلا تاج، بلا منصب، بلا جمهور. وعندها لن يسأل نفسه: كم شخصًا خافني؟ بل سيسأل: كم قلبًا آذيته؟ وكم إنسانًا جعلته يشعر أنه صغير؟ وكم يدًا امتدت إليّ فرددتها لأن كبريائي كان أطول من قامتي؟
وحينها فقط سيكتشف أن الإنسان لا يترك خلفه ما جمعه، بل ما زرعه. فإن زرع خوفًا، ترك وراءه ظلالًا، وإن زرع غرورًا، ترك جدرانًا، وإن زرع محبةً، ترك بيتًا في قلوب لا تهدمه السنوات. لذلك، لا تجعل النعمة تاجًا فوق رأسك، بل اجعلها جناحًا تحمل به من حولك. ولا تجعل نجاحك جدارًا يفصل بينك وبين الناس، بل جسرًا تعبر عليه معهم.
إن كنت عظيمًا، فدع أفعالك تتحدث عنك. وإن كنت قويًا، فكن مأمنًا لا مخيفًا. وإن كنت ناجحًا، فخذ بيد من لم يصل بعد. فليس المجد أن تقف فوق الآخرين، بل أن تجعل الذين وقفوا إلى جانبك يشعرون أنهم ارتفعوا معك. وفي النهاية، قد ينسى الناس كم كنت عاليًا، لكنهم لن ينسوا أبدًا كم جعلتهم يشعرون بأنهم جديرون بالحياة.



