
«نداء الشام»… قصيدة الوحدة التي سبقت زمنها قراءة نقدية في قصيدة د. سعيد فارس السعيد
نبيل الشريف
حين نعود إلى قصيدة «نداء الشام»، لا نقرأ نصاً شعرياً يدعو إلى الوحدة العربية وحسب، بل نقرأ نصاً يحمل في داخله ملامح رؤية فكرية وسياسية وإنسانية متكاملة؛ رؤية تنطلق من تشخيص واقع الشرق، ثم تنتقل إلى مساءلة الذات العربية، وتنتهي بالدعوة إلى تجاوز الفرقة والعودة إلى المصالح المشتركة.
وهذا ما يجعل القصيدة، رغم بساطة بنائها الظاهر، جديرة بقراءة تتجاوز حدود المناسبة أو الانتماء إلى زمن كتابتها.
الشرق في القصيدة… بداية السؤال
يفتتح الشاعر قصيدته بقوله:
«يعاني الشرق تغييراً عميقاً
وأحداثاً بعالمنا جساما»
إنها بداية لا تدخل مباشرة في الغزل أو التأمل، وإنما تبدأ من الواقع التاريخي والسياسي.
فالشرق عند الشاعر ليس جغرافيا محايدة، وإنما فضاء يعيش التحولات والأحداث الكبرى، ويواجه واقعاً دولياً تتحكم فيه القوة.
ويقول:
«وذِي الدنيا يسود بها قوي
هناك عنده أضحى حراما»
وهنا تظهر إحدى الأفكار المركزية في القصيدة: عالم لا تحكمه العدالة بالضرورة، بل تفرض فيه القوة شروطها.
ومن اللافت أن الشاعر لا يقف طويلاً عند وصف الأزمة، بل يحولها سريعاً إلى سؤال عن مسؤولية أهل المنطقة تجاه واقعهم.
من تشخيص الخارج إلى نقد الداخل
وهذه من أهم نقاط قوة القصيدة.
فالشاعر لا يجعل المشكلة كلها في «الآخر»، ولا يكتفي بإدانة القوى الخارجية، وإنما ينتقل إلى سؤال الذات:
«متى نمضي لوصل واتحاد
متى ننهي التباعد والخصاما»
وهنا تتحول القصيدة من وصف الواقع إلى مساءلة الإنسان العربي.
فإذا كان العالم تحكمه القوة، فإن الرد لا يكون بالشكوى فقط، وإنما ببناء القوة الذاتية من خلال الوحدة والتضامن.
وهذا يمنح القصيدة بعداً سياسياً يتجاوز الشعارات؛ لأنها تضع مسؤولية النهوض داخل المجتمع نفسه.
«متى؟»… السؤال الذي يحمل مشروعاً
تكرار كلمة «متى» ليس مجرد تكرار لغوي.
«متى نمضي؟»
«متى ننهي؟»
«متى يا عرب تحقيق الأماني؟»
«أخي العربي هلا عقدنا عزماً؟»
هذه الاستفهامات المتتابعة تمنح القصيدة بنية خطابية واضحة.
الشاعر لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يضع القارئ أمام سؤال الزمن الضائع.
متى ننهي الخصام؟
متى نصل إلى الاتحاد؟
متى تتحول الأماني إلى فعل؟
وبذلك يصبح السؤال نفسه أداة للتحريض على التفكير والعمل.
اللغة والدين والتاريخ… عناصر الاجتماع
يقول الشاعر:
«روابط بينكم لغة ودين
وتاريخ عريق قد تسامى»
وهنا يقدم ثلاثة مرتكزات للانتماء المشترك:
اللغة، والدين، والتاريخ.
لكن القيمة الأهم في هذا البيت ليست في تعداد عناصر التشابه، بل في السؤال الضمني الذي يطرحه:
إذا كانت هناك كل هذه الروابط، فلماذا يستمر التباعد؟
وهذه مفارقة تقوم عليها القصيدة كلها:
نحن نملك عناصر الاجتماع، لكننا نعيش واقع الانقسام.
ومن هنا تصبح الوحدة في النص ليست حلماً مستحيلاً، وإنما مشروعاً يحتاج إلى إرادة.
من «العروبة» كشعار إلى «العروبة» كفعل
يقول الشاعر:
«ألا أحيوا العروبة أنقذوها
بوحدتكم فعالاً لا كلاما»
وهذا ربما يكون من أهم أبيات القصيدة فكرياً.
فالشاعر يرفض أن تبقى العروبة مجرد خطاب.
«فعالاً لا كلاماً»
أي أن قيمة الفكرة تقاس بقدرتها على التحول إلى ممارسة.
وهنا تقترب القصيدة من مفهوم سياسي ما زال حاضراً في النقاش العربي: الفرق بين الوحدة بوصفها شعاراً، والوحدة بوصفها مصالح ومؤسسات وتعاوناً وإرادة سياسية.
وبهذا المعنى، فإن البيت لا يدعو إلى مجرد ترديد مفهوم العروبة، بل إلى إنقاذه من التحول إلى شعار فارغ.
الكرامة والوحدة
تتكرر في القصيدة مفردة الكرامة، وهي ليست مصادفة.
فالشاعر يربط الوحدة بالعزة والكرامة، ولا يقدمها بوصفها مجرد تجمع عاطفي.
يقول:
«أخي العربي هلا عقدنا عزماً
لنبند الفرقة نحيا كراما»
فالغاية النهائية ليست الوحدة من أجل الوحدة، وإنما الحياة بكرامة.
وهذه نقطة مهمة في البناء الفكري للقصيدة؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى الوحدة باعتبارها قيمة مجردة فقط، وإنما يحتاج إليها عندما تكون طريقاً لحماية مصالحه وحقوقه وكرامته.
العروبة عند الشاعر ليست إلغاءً للآخر
من الخطأ أن تُقرأ القصيدة بوصفها دعوة إلى إلغاء التنوع.
فالنص، في جوهره، يدعو إلى التضامن بين من تجمعهم مصالح وروابط مشتركة، ويؤكد:
«شعوبنا كلها ترجو وتبغي
وفاقاً وائتلافاً وانسجاما»
وهنا ينتقل الشاعر من مفهوم «العروبة» إلى مفهوم أوسع هو الوفاق والائتلاف والانسجام.
وهذه مفردات ذات دلالة إنسانية تتجاوز القومية الضيقة.
فالوحدة التي يبحث عنها الشاعر ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة للخروج من حالة الانقسام والضعف.
الصورة الشعرية… أين تكمن قوتها؟
من الناحية الفنية، لا تعتمد القصيدة على كثافة الصور والاستعارات المعقدة، كما في بعض النصوص الشعرية الحديثة، وإنما تعتمد على وضوح الفكرة وقوة الخطاب وتماسك القافية.
وهذا اختيار فني يتناسب مع طبيعة القصيدة.
فالقصيدة تريد أن تصل إلى جمهور واسع، ولذلك جاءت لغتها مباشرة نسبياً، وأقرب إلى لغة النداء والخطاب.
وقد يكون هذا أحد أسباب قدرتها على الاحتفاظ بوضوح رسالتها.
لكن النقد الأدبي يمكن أن يسجل في المقابل أن المباشرة السياسية تطغى أحياناً على التجربة الشعرية؛ فبعض الأبيات تؤدي وظيفة خطابية أكثر من كونها تشتغل على بناء صورة شعرية جديدة.
وهذا ليس بالضرورة ضعفاً مطلقاً، بل هو نتيجة طبيعية لاختيار الشاعر أن يجعل القصيدة قصيدة موقف بقدر ما هي قصيدة شعر.
القافية… وحدة الشكل في قصيدة الوحدة
اختيار القافية الموحدة المنتهية غالباً بصوت «ـاما» يمنح القصيدة إيقاعاً متماسكاً، ويخدم موضوعها بصورة لافتة.
فكما يدعو النص إلى الوحدة في المضمون، تعمل القافية على خلق نوع من الوحدة الموسيقية في الشكل.
وهذه نقطة جمالية تستحق الانتباه:
وحدة الموضوع تقابلها وحدة القافية.
وهكذا يصبح الشكل نفسه خادماً للفكرة.
من الخصوم إلى مسؤولية الذات
في خاتمة القصيدة تظهر ملاحظة شديدة الأهمية:
«وتفرقنا الخصوم كما تشاء
وبقينا عن مصالحنا نياما»
وهنا يصل الشاعر إلى أخطر استنتاجاته.
فالخصوم قد يستفيدون من الانقسام، لكن المشكلة لا تكمن في الخصوم وحدهم.
المشكلة أيضاً في أننا نسمح للانقسام بأن يستمر.
وهذا يجعل القصيدة أكثر نضجاً من خطاب يقوم فقط على تحميل الخارج مسؤولية كل شيء.
فحتى لو وُجدت قوى تستفيد من الفرقة، فإن مسؤولية المجتمع تبدأ من قدرته على حماية مصالحه ومنع الآخرين من استثمار خلافاته.
من «نداء الشام» إلى مشروع إنساني
وإذا قرأنا القصيدة اليوم، فإن أهم ما فيها ربما لا يكون في الدعوة السياسية المباشرة إلى الوحدة، وإنما في الفكرة الأعمق الكامنة خلفها:
لا يمكن لمجتمع أن يحمي مصالحه وهو منقسم على ذاته.
ومن هنا يمكن أن نرى امتداداً فكرياً بين هذه القصيدة وبين الكتابة التي تقوم على مفاهيم السلام، والعيش المشترك، ورفض التعصب، وحماية الإنسان وكرامته.
فالخط الفكري الأعمق ليس «الوحدة» بوصفها شعاراً سياسياً، وإنما الاجتماع حول المصالح والقيم المشتركة.
وهذا فارق مهم.
الخلاصة النقدية
«نداء الشام» قصيدة ذات خطاب قومي واضح، وبنية خطابية مباشرة، ولغة سهلة نسبياً، وقافية موحدة، ورسالة سياسية وإنسانية صريحة.
قوتها الأساسية في صدق السؤال الذي تطرحه وفي وضوح موقفها من الفرقة، وفي انتقالها من تشخيص واقع الشرق إلى تحميل الذات مسؤولية النهوض.
أما محدوديتها الفنية فتتمثل في أن الرسالة المباشرة تطغى في بعض المواضع على الشعرية والصورة الفنية، وأن الخطاب السياسي يأخذ أحياناً مساحة أكبر من التجربة الشعرية الخالصة.
لكن قيمة النص لا تقاس فقط بمدى تعقيد الصورة الشعرية.
فهناك شعر يُكتب لكي يصف الجمال، وشعر يُكتب لكي يعبر عن الذات، وهناك شعر يريد أن يوقظ سؤالاً في الوعي.
و«نداء الشام» من النوع الثالث.
إنها قصيدة تسأل:
متى نتحول من التفرق إلى الاجتماع؟
من الكلام إلى الفعل؟
من الشكوى إلى بناء القوة؟
ومن الخصومة إلى المصالح المشتركة؟
ولذلك فإن إعادة قراءة هذه القصيدة اليوم لا تعني العودة إلى نص من الماضي فحسب، بل تعني اكتشاف جذر مبكر في مسار فكري ظل يبحث عن الإنسان، وعن الوحدة، وعن السلام، وعن شرق يستطيع أن يصنع مستقبله بإرادته، لا أن ينتظر الآخرين ليصنعوه له.
وربما تختصر القصيدة كلها عبارتان:
«بوحدتكم فعالاً لا كلاما»
و:
«وتفرقنا الخصوم كما تشاء»
بين العبارتين مسافة كبيرة، لكنها في جوهرها تختصر قضية كاملة:
إما أن تتحول الروابط المشتركة إلى قوة فعل، أو تتحول الخلافات إلى فرصة للآخرين.
نبيل الشريف





