بقلم : أمين السكافي
بدأ كل شيء مع انطلاق عملية “طوفان الأقصى” من قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين قادت حركة حماس هجوماً غير مسبوق سرعان ما التحقت به بقية فصائل المقاومة الفلسطينية. بدا المشهد في ساعاته الأولى شديد التنظيم والدقة، وكأنه نتاج سنوات طويلة من التخطيط والإعداد والعمل السري والأمني والعسكري المعقد. غير أن ذلك المشهد المنضبط لم يلبث أن تحول إلى حالة من الفوضى غير المسيطر عليها، الأمر الذي منح الإعلام الإسرائيلي فرصة ذهبية لاستثمار صور ومشاهد طالت مستوطنين من أطفال ونساء ومسنين، بعدما خرج آلاف الشبان الغزيين من قمقم الحصار الطويل ليفرغوا غضباً تراكم في نفوسهم على مدى سنوات من القهر والحرمان.
هذه الفوضى، بصرف النظر عن أسبابها وخلفياتها، انعكست بصورة سلبية على السردية الإعلامية للمقاومة أمام الرأي العام الغربي والدولي، وهي نقطة كان يفترض أن تكون ضمن حسابات حركة حماس منذ البداية، خصوصاً أن الحركة أظهرت قدرة استثنائية على التخطيط لكل ما يتعلق بالعملية من النواحي العسكرية والأمنية واللوجستية، حتى أنها أخفت تفاصيلها عن أقرب حلفائها.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما جرى يوم السابع من أكتوبر فقط، بل بما تلاه من تداعيات هائلة. فهل كانت الحركة تتوقع أن يصل عدد الشهداء في غزة إلى ما يقارب ثمانين ألف شهيد، غالبيتهم من الأطفال والنساء؟ وهل كان ضمن تقديراتها أن يتحول القطاع إلى مساحة شبه مدمرة بالكامل، وأن يضاف إلى الموت بالقصف موت آخر بالجوع والعطش والمرض والحصار؟ وهل كان في حساباتها أن تفقد غالبية قادة الصفين الأول والثاني خلال الحرب؟
في المقابل، ومن باب الإنصاف التاريخي، لا يمكن إنكار أن هذه الدماء الهائلة وما رافقها من مشاهد الدمار والمجازر أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الوعي العالمي بعد سنوات من التهميش. لقد عادت فلسطين إلى صدارة المشهد الدولي، وولدت موجات تعاطف شعبية واسعة في مختلف أنحاء العالم، وبرزت للمرة الأولى منذ عقود أصوات غربية تنتقد السياسات الإسرائيلية بشكل غير مسبوق.
غير أن التعاطف الشعبي، على أهميته الأخلاقية والسياسية، لم ينجح حتى الآن في تغيير الوقائع الميدانية. فما زال قطاع غزة محاصراً حتى كتابة هذه السطور، وما زالت آلة الحرب تواصل القصف والقتل والتدمير بصورة شبه يومية، فيما اكتفت غالبية الأنظمة العربية والإسلامية بموقع المتفرج العاجز أو الصامت.
وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات على انطلاق الشرارة الأولى، يصبح من المشروع طرح أسئلة صعبة ولكنها ضرورية. ما هي الخطوات اللاحقة أمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي بعد النجاح العسكري الأولي للهجوم؟ وكيف تقيّمان اليوم ميزان الربح والخسارة؟ وهل كان إخفاء العملية عن الحلفاء ناتجاً عن مخاوف أمنية تتعلق بالسرية، أم عن خشية من نصائح تدعو إلى التريث وعدم الذهاب إلى مواجهة مفتوحة بهذا الحجم؟
هنا يبرز تشابه تاريخي يفرض نفسه على النقاش. ففي عام 1967 وجدت مصر بقيادة جمال عبد الناصر نفسها مدفوعة إلى مواجهة لم تكن مستعدة لها بالكامل بعد تصاعد التوتر على الجبهة السورية. وكانت النتيجة ما عرف لاحقاً بنكسة حزيران. والمقصود من استحضار هذا المثال ليس المقارنة المباشرة بين الأحداث والظروف، بل التذكير بأن الشرارات الصغيرة قد تدفع قوى وحلفاء إلى معارك تتجاوز حساباتهم الأصلية وتفرض عليهم وقائع جديدة لم يكونوا مستعدين لها.
لقد غير السابع من أكتوبر وجه المنطقة بصورة عميقة. سقطت معادلات كانت مستقرة منذ حرب تموز 2006، وأعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، ودخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة لا تزال فصولها تتكشف يوماً بعد يوم. ولذلك فإن مراجعة ما حدث لا ينبغي أن تُفهم كإدانة أو تشكيك أو توزيع للاتهامات، بل كواجب تاريخي يهدف إلى استخلاص العبر وفهم التحولات الكبرى التي صنعتها تلك الشرارة.
فالأمم التي لا تراجع تجاربها محكوم عليها بتكرار أخطائها، أما الأمم التي تمتلك شجاعة النقد والمراجعة فإنها وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر وضوحاً وأقل كلفة من الدماء والخراب. وبين هذين الطريقين يقف الشرق الأوسط اليوم، مترقباً ما إذا كان طوفان الأقصى سيبقى حدثاً عسكرياً عابراً في التاريخ، أم أنه سيكون اللحظة التي أعادت تشكيل المنطقة لعقود طويلة قادمة ؟

















Discussion about this post