تتعلَّق خاتمة الأحزان بالحرب الأميركية_الإسرئيلية على إيران، بمِلفين إثنين لا ثالث لهما،المف النووي الإيراني ووقف التخصيب والقضاء على الــ 450 كليو المخفيين في جبال ودهاليز إيران، أو في أضعف الإيمان محاولة إحتوائه، وهو ما لا يروي ظمَأَ ترمب وإدارة الصقور اليمينية في واشنطن وتل أبيب، بينما المِلف الثاني الشائك والمليء بالتعقيدات، هو نزع سلاح حزب الله في لبنان وإزالة التهديد عن المستوطنات شمال فلسطين بشكل تام ونهائي، في صيغة لا تقبل أي مناورة أو وعد أو تسوية مؤجلة، قبل القبول بربط وقف إطلاق النار في لبنان أو المنطقة، ويتفرع لكلِّ ملفٍّ منهما شرايين إقليمية، لا يبدو أنَّ مغامرات ترمب_نتنياهو قد نجحت في تقطيعها أو كيِّها نهائياً.
كشفت مصادر لوكالة رويترز، بأنَّ الولايات المتحدة وإيران، توصلتا لإتفاق لتمديد وقف إطلاق النار، والسماح برفع القيود عن الملاحة عبر مضيق هرمز، وفكِّ الحصار الأميركي عن موانئ إيران، ورفع بعض العقوبات المفروضة عليها، لكن الإتفاق لم يشهد وضع اللَّمسات النهائية عليه بعد، ويبدو أنه ذاهب الى إعلان إتفاق شفهي، يلتزم به كل طرف لتمرير المرحلة الداهمة من الوقت القاتل في تل أبيب وواشنطن، بسبب الإستحقاقات المصيرية للرئيسين، فالتوصُّل إلى إتفاق سيكون بمثابة خطوة كبيرة لإنهاء الحرب، التي دفعت العالم إلى أزمة طاقة، ليبقى الخلاف الأساس في شأن برنامج إيران النووي دون نقاش، إلاَّ في محادثات خلال الأسابيع التالية.
طهران ترى، أنَّ الإتفاق الإطاري يُنهي الحرب على جميع الجبهات، ويضع إطاراً زمنياً مدته 30 يوماً في شأن حركة الملاحة الدولية والإيرانية عبر مضيق هرمز، وربما تقديم بعض الدعم المالي، وسيُتبع بمفاوضات حول القضايا الأكثر تعقيداً، مثل وضع اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، والتفاصيل المتعلِّقة بمضيق هرمز، وترتيب تنفيذ النقاط الكثيرة المذكورة في الإتفاق المبدئي، مثل رفع العقوبات والتدابير الأمنية.
سعَيْ إيران إلى صنع قنبلة نووية، والذي تنفيه دوماً بأنه برنامج سلمي، لكن من منظور ترمب يمكن إستخدامه في صناعة المواد اللازمة لصنع رؤوس حربية، فالملف النووي معقَّد، وقد توافق طهران في النهاية على تخفيف جزء من اليورانيوم عالي التخصيب في دولة صديقة، إلى نسبة نقاء خمسة في المئة ثم إستعادته، لكن لا تزال هناك كثير من القضايا الأخرى التي تحتاج إلى التعامل معها، كمدة وقف البرنامج النووي، ومصير مخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 20 % و5%، ومستقبل أجهزة الطرد المركزي الإيرانية المتطورة، وبرامج البحث والتطوير والقواعد الحاكمة لأنظمة التفتيش، وغيرها.
أما بالنسبة للصواريخ البالستية، فكان الحدُّ منها وتقويضها أحد المطالب الأميركية الرئيسة قبل الحرب، والهدف هو منع وصولها إلى إسرائيل، وإيران تعتبر أنَّ من حقها حيازة الأسلحة التقليدية، وهو أمر غير قابل للتفاوض، وهي لا تزال تمتلك ترسانة ضخمة.
وبما يتعلق بالعقوبات والأصول المجمَّدة لإيران، فقد تضرَّر إقتصادها كثيراً لعقود، وتحتاج طهران إلى رفع هذه العقوبات، والإفراج عن إيرادات النفط المجمَّدة في بنوك أجنبية، والتي تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وتطالب أيضاً بتعويضات عن أضرار الحرب، بينما المِلف اللُّبناني وهو الأخطر، تعتبر إيران أن حرب إسرائيل على الحزب في لبنان، يجب أن تكون مشمولة بأي إتفاق، بينما وبرغم الإجتماعات والتفاوض المباشر العسكري والتقني والسياسي، بين تل ابيب وبيروت، يكثِّف الجيش الإسرائيلي حملته العسكرية على جنوب لبنان بلا هوادة، إذ تعارض إسرائيل أي إتفاق بين إيران والولايات المتحدة، يحدُّ من نطاق عمليتها العسكرية، وبما يمكن أن تقوم به داخل لبنان.
الآن، ومع كل يوم يمرُّ بلا حلٍّ لقضية حرب إيران، يتأكَّد ترامب أكثر فأكثر، خطأ ما إرتكبت يداه من فداحة وسوء تقدير، حين فتح حرباً مع نتنياهو، لا يملك لها خاتمة أو نهاية واضحة، فبتصوُّره أنّ الضربة ستنتج لحظة تطويع لإيران، أو تنجز إتفاقًاً سريعاً، يمكن له إستثماره في الداخل الأميركي كصفقة أهم من صفقة باراك أوباما، لكن هذه الحرب، وبدل أن تُغلق المِلف الإيراني، جعلته متشعباً، إذ أنَّ إيران لم تسقط، وإسرائيل لم تحصل على النصر الكامل، لا في الخليج ولا في لبنان عبر نزع السلاح، والأسواق العالمية لا يمكن لها التعايش طويلًا مع تهديد مضيق هرمز والطاقة والتضخم.
هنا بدأ ترامب يبحث عن مخرج الضرورة، من خلال الوقت الضاغط أمام الإستحقاقات الداهمة، فنتنياهو قد تورَّط، وقام بحلِّ الكنيست الإسرائيلي، على إعتبار أنه يستطيع تجديد شرعيته للهروب من المحاسبة داخلياً، من خلال القتل والتوحُّش وإستمرار الحرب، والعمل على نزع سلاح الحزب والتخلُّص من المخاطر الأمنية على سكان المستوطنات، بينما ترمب وكعادته، لا يريد مخرجاً للحرب يبدو فيها متراجع، بل يريد الإتفاق مع إيران من غير تنازل، ووقفًاً للحرب من غير هزيمة، وتعويضاً سياسياً لإسرائيل، صار صعب المنال بل أقرب الى الفشل، لذلك يحاول الإدخال والتلميح الى الإتفاقات الإبراهيمية على طاولة الأزمة الإيرانية، وكأن المطلوب من السعودية، مساعدته في حلِّ الأزمة مع طهران، ثم تدفع ثمن هذا الحل بتطبيع يمنح نتنياهو الجائزة التي عَجز عن حصولها بالحرب، وهذه محاولة أقرب لأن تكون إبتزازاً إستراتيجياً ولن تحصل.
فواشنطن وتل أبيب، لم تقيما أي وزن للعلاقة الإستراتيجية التاريخية المبنية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، ولم تعتبر أنَّ هناك إتفاقيات دفاعية بين الطرفين أسقطتها هذه الحرب، وإستثمارات بألف مليار دولار، قد ضربها ترمب بفعل التحشيد والدفع الإسرائيلي لإسقاط إيران، وهي اليوم تطلب من الرياض إستخدام وزنها السياسي والديني والإقتصادي، لإيجاد مخرج للمأزق الإيراني بفعل الحرب التي صنعتها تل أبيب، والأنكى أنها تطلب منح إسرائيل الغطاء الإقليمي بجعل نتنياهو إمبراطوراً عل المشرق العربي، محمولاً على الأكتاف بعد الدم الذي سفكه في غزة والضفة ولبنان.
إنَّ ما كان يمكن بيعه قبل الحرب، لم يَعُد قابلًا للتسويق بعدها، حيث إنتقلت الرياض من الحديث عن مسار جدي نحو الدولة الفلسطينية، إلى موقف أكثر صلابة ضمن مسار لا رجوع فيه، في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وبهذا المعنى، لم تَعُد فلسطين بنداً تفاوضياً، بل شرطاً شرعياً لأي سلام، وهذا ما يحاول نتنياهو تحييده، من خلال محاصرة السعودية من بعيد، وإسرائيل بالأصل ما زالت غير مستعدة لمنح الفلسطينيين دولة حقيقية، منذ بدأ نتنياهو صعوده السياسي، ولم يكن أحد يعتقد أنه سيمنح بايدن أو حتى ترامب من بعده، تنازلاً بحجم وعد بالدولة الفلسطينية، من أجل التطبيع مع السعودية، من هنا، كانت المقاربة السعودية حذرة منذ البداية، خاصة عندما بدأت تتكامل وتتقاطع الصورة في الإقليم، وصارت حلقة وسلسلة من الضغوط المحيطة بالرياض، مترابطة بالحبل الأمني الإسرائيلي، بهدف خنق المملكة من جنوب اليمن، الى البحر الأحمر، والحرب في السودان، والإعتراف بإنفصال أرض الصومال، كلها تبدو كأجزاء من هلال ضاغط، يستهدف رؤية السعودية والخليج والأمن الاقليمي والموقع والمجال الحيوي، ليدفع في النهاية إلى التخلِّي عن شرط إقامة الدولة الفلسطينية والقبول بالسيطرة الإسرائيلية.
ولذلك وقفت بعض الدول العربية_الخليجية والإسلامية، لمنع إسقاط إيران في الشرق، لأنه مع إكتمال الحلقة الإيرانية، وهي ليست خصماً تقليدياً فحسب، بل دولة كبرى على ضفة الخليج، وسقوطها قد يفتح زلزالًا جيوسياسياً يصعب إحتواؤه، وخروجها منتصرة بلا قيود، قد يُعيد إنتاج نفوذها في العواصم العربية، لذلك وأمام التسوية الشفوية الغامضة لحد الآن، ليس هناك من قبول بسقوط إيران كدولة، ولا بعودة المشروع الإيراني كما كان، ولا بإنتصار إسرائيلي كامل، ينقل نفوذ تل أبيب إلى الضفة الشرقية للخليج، وهذه هي المعادلة الدقيقة، تقوم على منع إنقاذ المشروع الإيراني، وإبقاء الحذر والحيطة من المشروع الإسرائيلي، وبالطبع من دون تفويض واشنطن كي تُعيد ترتيب المنطقة، وفق حاجات ترامب الإنتخابية أو حاجات نتنياهو السياسية، وهذا طبعاً يلزمه كتلة لدولس إقليمية وازنة، بدأت بالتشكُّل من باكستان، بما تمثِّله من وزن نووي وعسكري وإسلامي، ومن تركيا كعضو في الناتو، ومن مصر بأكبر جيش عربي مهجوس من تفكُّك الدول، وبالطبع من قطر التي تملك قنوات خلفية، وقدرة على إدارة مساحات التفاوض الرمادية، فهذه ليست جبهة، لكنها كتلة وازنة، وإحتياطات طاقوية هائلة، يمكن التعامل مع دولها في تشكيل مسار إسلام آباد، وإعادة ترتيب الاقليم، وهو ليس كله ضمن رؤية موحَّدة، بل عبر تقاطع مصالح، يعتبر أنَّ مسار إستمرار الحرب خطر، وإنهيار إيران خطر، وإنتصار إيران الكامل خطر، وإكتمال مشروع نتنياهو خطر، فهذه هي الورقة الوحيدة التي يمكن إستخدامها في واشنطن وطهران، وهم أطراف قادرون على تحمل نتائج أي إتفاق، وإذا شاركت في صياغتها، تستطيع أن تفرض حدوداً واضحة، وفي النهاية، لم يَعُد الأمر يتعلق بمن إنتصر في الحرب، بل الأهم هو، بمن سيكتب شروط الخروج من هذه الحرب.
د.رائد المصري/أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية.
كاتب سياسي عربي ودولي.


















Discussion about this post